إعــــلان السياسة العـــامة

تنص المادة الثانية من النظام السياسي لحزب الإصلاح على أن شعاره هو “الشعب أولا”. ويشير هذا التأكيد إلى رؤية عميقة تجسد ازدواجية راسخة تعكس ذلك الارتباط الجوهري بين الهدف والوسيلة، وهو ما يجعل من السياسة أداة لخدمة الناس. إن استقراء مرحلة تاريخية مهمة من الحياة العامة في بلادنا، تزيد على ستين سنة بعد الاستقلال الوطني، يثبت بأن تلك التجربة -رغم ثرائها- تحتاج إلى تطعيم السياسة بالقيم ألأخلاقية، حيث يحتاج السيّاسي أن يكون شخصا له مبادئ واضحة، وثوابت متماسكة، وخطوطا حمراء لا يقبل بتجاوزها. وإلا فلن يكون السياسي ُمقنعا، وتسقط السياسة من اهتمام الشعب.

 

وهكذا، يكون حزب الإصلاح -كما أردنا- هو أداة لخدمة الشعب، من خلال المساهمة في إلهام ورسم سياسات عمومية من أجل الشعب وبواسطة الشعب.

إن حزبنا، الذي يعتبر أن أهم مكسب حصلت عليه المجموعة الوطنية خلال القرن العشرين، هو قيام الدولة الوطنية، لينظُر بإيجابيه عالية إلى كل القيم والممارسات الفضلى التي تشكل ضمانة للدفاع عن الوطن الموريتاني واستقراره، أو تساهم في تعزيز السلم الأهلي، وتحقيق الأمن الإنساني للبلاد وأهلها، في زمن أصبح من سماته المميزة تمزق الشعوب، وتفكك الأوطان وخرابها في مناطق عديدة من العالم.

ويعتبر حزب الإصلاح – ضمن مقاربته الشاملة والنقدية- أن إحدى المهام الأساسية للحزب السياسي الجاد هي تشخيص الأوضاع الوطنية، والكشف عن تناقضاتها. ويرى الحزب أن الاعتراف بالاختلالات هو المدخل الضروري الإصلاح من خلال العمل على تحديد العلاج المناسب، والعمل على تبني أفضل الخيارات السياسية المتاحة، على أوسع نطاق شعبي حسب المعطيات البنيوية والظرفية السائدة.

 

ويؤكد حزبنا على إيمانه العميق بالديمقراطية التعددية، وبأنها الأسلوب الأمثل للحكم السياسي، والإطار الأفضل انطلاق قوى الشعب نحو ميادين التنمية والبناء الوطني على كافة الصعد.

غير أن الحزب يرى بأن الديمقراطية لكي تؤتي أوكلها، لا يجوز أن تفهم كوصفة جاهزة لمعالجة كل الاختلالات بعصى سحرية وإنما هي عملية ديناميكية، قابلة للتطوير والتوطين. وهي- فضلا عن ذلك- قادرة على أن تخلق لكل مرحلة أدواتها المناسبة التي من شأنها أن تضاعف من نتائجها على الصعيدين السياسي والتنموي.

إن الديمقراطية، وإن كانت، كأي قيمة إنسانية سامية، إرثا مشتركا بين الإنسانية جمعاء، تبقى من حيث التطبيق ذات سمات خصوصية بحسب تنوع ثقافات الأقوام والشعوب. وإن إدراك هذه الخصوصية أمر مهم جدا، يضاهي أهمية المشترك العام نفسه، لأنه يمثل طابع المجتمع وانسجامه الثقافي، ويخدم مصالحه المشتركة.

 

إنما يحدونا في إطار هذه المقاربة السياسية هو واجب الانتصار لطموح الشعب الموريتاني في الحياة الكريمة وتعزيز الحد الأدنى من الإجماع الوطني حول قضايا جوهرية مثل التغيير، والاستقرار والتنمية المستدامة من خلال المشاركة الديمقراطية الفاعلة في بلورة تدبير سياسي عقلاني للحكامة في البلاد؛ بما يحقق لموريتانيا مستقبلا آمنا ومزدهرا، ضمن ظروف إقليمية ودولية تتسم بالحساسية والصعوبة.

ونحن نستهدف من خلال هي المقاربة بناء حزب سياسي كبير بمعايير توافقية. يقوم على أساس منيع يهدف إرساء جسور التواصل والتلاقي مع مختلف فاعلي الطيف في المشهد السياسي الوطني، من أجل القيام بالدور المنوط به كحزب وطني فاعل ومسؤول.

من هنا، تنبع مقاربتنا لمفهوم الحزب الديمقراطي في زمن وعالٍم م متغيرين، باعتباره هو الجسر السياسي الذي يربط بين الفئات والمصالح المجتمعية المختلفة مع الكل الوطني عبر تبني القيم المشتركة العليا. وبهذا المعنى يكون الحزب وسيلة لتمكين المواطنين من خدمة مصالحهم والدفاع عن قيمهم التي توحدهم في نطاق الدولة الوطنية.

ومن أجل تجسيد هذه المقاربة كممارسة سياسية على أرض الواقع، يعمل حزبنا على مسارين يتعلق أولهما بتعزيز فكرة المصلحة المشتركة أي المصلحة الوطنية العليا الجامعة لكل المواطنين، بينما يتعلق المسار الثاني لعمله بالسعي لخدمة مصالح الفئات الاجتماعية التي يعبر عنها الحزب ضمن سياق ومنطق الدولة.

ويتعلق الأمر هنا بالعمل على خلق وتنمية طبقة وسطى عريضة من الشعب الموريتاني، بمختلف فئاتها ومكوناتها العمرية والمهنية على امتداد المجال الجغرافي الحضري والريفي في البلاد.

وفي هذا السياق، يلتزم حزبنا بالعمل بلا هوادة من أجل إزالة الغبن بشكل يمحو آثار عار العبودية والاسترقاق، من خلال تبني ودعم سياسات عمومية تهدف إلى تعزيز فرص المساواة الفعلية، وليس فقط التوقف عند توفير العدالة التي لايمكن أن تؤمن وحدها ولوجا متكافئا إلى فرص التنمية والحياة الكريمة للفئات المجتمعية التي عانت طويلا من الغبن والتهميش.

وبهذا المعنى، يظل الحزب يخدم تحقيق التوازن الضروري داخل الدولة والمجتمع لذا، فإن حزبنا يطمح إلى تكوين حاضنة لتطوير الممارسة السياسية التي من خلالها تتم خدمة الفئات المختلفة المكونة للمجتمع، وفي ذات الوقت، يتم الحفاظ على وحدة الدولة وتوحيد هويتها الجامعة من خلال اسم الدولة، وعلمها، وعملتها، وشعارها، ولغتها الرسمية التي اختارت أن تكون اللغة العربية رغم أنها مازالت تحتاج إلى التفعيل الحقيقي لذلك الترسيم، لكي يساعد على تجسيد الوحدة الذهنية للبلاد وأهلها، وتسهيل التواصل بين مختلف مكوناتها الثقافية.

 

إن استيعاب هذه الأبعاد والتأكيد عليها هو ما سيمكن حزبنا بإذن الله، من تأسيس وتأكيد فكرة وأسلوب التدبير السياسي المؤسسـاتي للشأن العام، الذي يشكل وحده نقلة نوعية كبرى على صعيد إنضاج التقاليد السياسية والمدنية لشعبنا، خلافا لما يخدم فردانية شخص أو مجموعة أشخاص، وخلافا أيضا لهلامية تائهة في الفضاء الاستهلاكي للعولمة، أو ضائعة في متاهات “وهم الديمقراطية” كما عايشت تجربته المريرة بلدان كثيرة في مرحلة ما بعد الاستعمار.

إن فكرة التدبير السياسي المؤسسـاتي للشأن العام، عندما ينتجها الشعب بنفسه ولنفسه، سيحترمها ويحرص عليها ويدافع عنها؛ لأنه يجد فيها ذاته وقيمته وشخصيته التي من خلالها يتعرف على ذاته وعلى الآخرين، ويتفاعل ويتعاون معهم إيجابيا. لأن من لا شخصية له لا يتعاون مع الآخرين، بل يتبعهم أو يذوب في محيطهم

يقوم التدبير السياسي المؤسسـاتي للشأن العام على قاعدة أساسية، قوامها أن التعـليـــــم المستديم، أو خلق مجتمع المعرفة، هو أساس كل ما نتحدث عنه وهو أصله، وشرطه.

غير أن التعليم الذي يهم حزب الإصلاح ليس مجرد اتساع كمي يعبر عنه عادة بمحو الأمية – رغم أهميته- أو من خلال نسب كمية. وإنما نقصد بالتعليم ذلك المسار التربوي والتكويني المستديم أي مجتمع المعرفة، الذي يضمن التقدم، ويحقق القدرة على التحكم في المصير، في مهب الأعاصير التي تقتلع وتطيح بمن لم تترسخ أقدامهم في العلوم العصرية وتطبيقاتها المبدعة التي غيّرت نمط حياة الإنسان المعاصر.

أجل إن التعليم المستديم، هو الترياق الذي سبقتنا إليه شعوب به نهضت. وبه انتقلت من آخر عربة في قطار البشرية إلى المراتب الأولى في قطار التقدم الإنساني والحضاري.

إن ذلك التعليم المستديم الذي يتحدث عنه حزبنا، هو التعليم الذي بواسطته يتمكن جميع المواطنين -حتى في أبعد النقاط الموغلة في العزلة من الوطن- من النهوض وتدبير شؤونهم بأنفسهم، والاضطلاع بتنمية مواطنهم بصفة متوازنة ومستديمة، بما يحقق لهم العيش الكريم ويسمح بتفتق مواهبهم وقدراتهم الإبداعية.

إنه التعليم الذي يُحّول كل عربة مجرورة في القطار إلى قاطرة قائمة بنفسها. إنه التعليم الذي ينقل كل وحدة في المجتمع من حالة الاستيراد والاستجداء إلى حالة الإنتاج والتصدير وخلق القيمة المضافة.

إنه التعليم المستديم الـذي بواسطته تتحرر الدولة فعليا من الاهتمامات الصغيرة التي تستهلك جهدها في غير طائل، لكي تتفرغ -باقتدار- لمهامها الأساسية والإستراتيجية الكبرى.

إنه التعليم المستديم الذي يجعلنا نفهم بعمق، ونجني ثمار مبدأ فصـل السلطات، الذي يستحيل تشكيل دولة القانون والمؤسسات دون احترامه وتطبيقه على أرض الواقع.

وسيكون من ثمار التعليم المستديم ومجتمع المعرفة، أن يرتفع منسوب الوعي بحيث تتفجر طاقات المجتمع وتتحول فعالياته المختلفة إلى سيمفونية متناغمة، تدرك متطلبات التنمية المحلية التشاركية، وتوسع من طر وآفاق أ ممارستها.

إنه التعليم المستديم الذي يجعل أي خصوصية مجتمعية ناشزة تعود لمرحلة تاريخية متجاوزة، تلغي نفسها بنفسها، إذا ما هي أدركت بأن سلبيتها تعرقل المسيرة العامة للمجتمع نحو التقدم والرفاهية والعيش الكريم.

إنه التعليم المستديم الذي يقنع القبيلة بأنه لم تعد لها ضرورة خارج مقتضيات صلة الرحم وتقاليد التكافل الاجتماعي الجميلة، ألن الفرد قد أصبح مكتمل المواطنة في دولة له عليها كامل الحقوق، وعليه اتجاهها واجبات مفروضة. وكذلك كل الممارسات التي عفا عليها الزمن مثل محاولة ملكية الأرض بصفة جماعية قد لا تتفق مع القانون، وممارسة سيادة عليها وهم خرافي. لأن الأرض هي للوطن والمواطن. والأحق بها هو من يستغلها ال من يعطلها

إن التعليم المستديم أو مجتمع المعرفة وحده سيكون قادرا على تهيئة الظروف اللازمة للتحولات المطلوبة في بلادنا، على مستوى التحضر، وممارسة الحكم والتنمية المستدامة والمتوازنة، وبالتالي، التمكن من إخراج الموريتانيين من الظالم إلى النور.

 

باختصار، تلكم هي أهم التوجهات التي أردنا – في حزب الإصلاح أن نتقاسمها مع المواطنين الموريتانيين والموريتانيات في الإعلان السياسي للحزب، من أجل إقامة المشروع المجتمعي الذي نؤمن به، والذي ندعوكم جميعا للنضال معنا في سبيل تجسيده على أرض الواقع، من منطلق المساعدة على النهوض بالوطن والمجتمع، وبناء دولة موريتانية حديثة.

 

18 يناير 2020