حقائق علمية حول فيروس كوفيد-19 وتداعيات الوباء/ محمد أشرف البيومي

لا بديل للمعرفة لتبديد الخرافة وحماية الصحة

تساؤلات عديدة تتردد حول فيروس كورونا المستجد الذي انتشر كالنار في الهشيم في دول صناعية كبرى تمتلك مؤسسات علاجية كبرى ومراكز بحوث متقدمة، ولكنها تأخرت في مواجهتها ولم تتنبه للخطر الداهمولعل السؤال الأول هنا يدور حول ماهية هذا الفيروس متناهي الصغر والذي لا يتجاوز وزنه واحد علي بليون تريليون جرام (أتو جرام)، أي أن بليون تريليون فيروس تزن جرام واحد، وقدرته على احداث كل هذا الضرر. فنحن أمام جسيم غاية في الصغر، ليس كائنا حيا، ولكنه يستطيع بجزيئاته المحدودة أن يهيمن علي الخلية الأنسانية ويسخرها لعمل العديد من النسخ لنفسه فتنفجر الخلية المستهدفة وتطلق أعداداً كثيرة من الفيروس الذي يواصل الهجوم علي خلايا أخري.

أعراض الفيروس

تم التعرف على مرض فيروس كورونا المعدي للجهاز التنفسي (COVID-19) لأول مرة في ديسمبر 2019 في ووهان في الصين وانتشر منذ ذلك الحين على مستوى العالم. تشمل أعراض المرض الحمى والسعال وضيق التنفس، و قد تشمل أعراض أخرى مثل ألم العضلات والإسهال والتهاب الحلق وفقدان حاسة الشم وآلام البطن والصداع والإعياء الشديد. وفي حين أن غالبية الحالات تؤدي إلي أعراضً خفيفة، كما أن نسبة غير معروفة لا تظهر عليهم أعراض المرض رغم حملهم للفيروس. قد يؤدي المرض إلى الالتهاب الرئوي الفيروسي وفشل العديد من أعضاء الجسم مؤدياً للوفاة. وقد وصل عدد الإصابات في تاريخ كتابة هذا المقال إلي أكثر من 1.2 مليون حالة وأكثر من أربعة وستين ألف حالة وفاة كما تعافي حوالي ربع مليون شخص.

ماهية الفيروس

الفيروس هو مادة وراثية موجودة داخل جسيم مغلف لا يمكنه التكاثر إلا داخل خلايا حية في الإنسان والحيوان والنبات والكائنات الحية الدقيقة مثل البكتيريا، ومن ثم لايعتبر كائن حي. والفيروسات صغيرة جدا كما ذكرت ولا يمكن مشاهدتها بالمجهر الضوئي. اكتشف ديمتري إيفانوفسكي الروسي عام 1892 مسببا غير معروف للمرض الذي يصيب نباتات التبغ. وسمى مارتينوس بيجيرينك الهولندي المادة المعدية باسم “فيروس فسيفساء التبغ” عام 1898. تبين لاحقاً أن الفيروسات توجد في كل نظام إيكولوجي على وجه الأرض وأنها أكثر أنواع الكيان البيولوجي عدداً. وصف بالتفصيل حوالي 5000 فقط نوع من الفيروسات من بين ملايين.

مكونات كورونا 19

يتكون فيروس كورونا 19 من البروتين الثاقب (S) الذي يرتبط بالخلية المستهدفة ويسهل اختراق الفيروس للخلية والنيوكابسد المركب من الرنا (RNA) الذي يحمل الشفرة الوراثية للفيروس وبروتينات متعددة الوظائف والغلاف (E) وبروتين الغلاف.(N)

تشخيص المرض

أساس تشخيص الفيروسات الجديدة هو إجراء اختبارات على المواد الوراثية الفيروسية من مسحات الأنف والحنجرة، باستخدام وسيلة معروفة في مجال البيولوجيا الجزيئية والمعروفة باسم تفاعل متسلسل البوليميراز النسخ العكسي (RT-PCR)

يعمل الاختبار عن طريق مضاعفة بشكل كبير المادة الوراثية للفيروس وتستخدم سلاسل تكميلية قصيرة تعرف باسم مسهلات جزيئية primers التي تساعد في بدأ الحصول على النسخ.

يمكن أيضا تشخيص العدوى من مزيج من الأعراض، عوامل الخطر وتصوير الصدر المقطعي تبين ملامح الالتهاب الرئوي.

الوقاية

يوصي المتخصصون عدد من التدابير الواجب الإلتزام بها بصرامة لمنع العدوى. ثبتت جدوي هذه التدابير في عدة أماكن مثل الصين وأهمها غسل اليدين المتكرر بالصابون، والابتعاد الاجتماعي أو الابتعاد الجسدي (الحفاظ على مسافة جسدية عن الآخرين، وخاصة من الذين يعانون من المرض وتغطية السعال والعطس بنسيج (قناع)، وحفظ الأيدي غير المغسولة بعيدا عن الوجه واستخدام الأقنعة.

الصابون يدمر الفيروس عندما تتداخل ذيول جزيئات الصابون في الغشاء الدهني للفيروس وتفككه كما يبدوا في الرسم.

رحلة الفيروس في جسم الانسان

يدخل الفيروس الجسم عن طريق الأنف أو الفم أو العينين ويبدأ الهجوم والسيطرة علي الخلية المستهدفة.

يتم ارتباط الفيروس بالخلية المستهدفة بين منطقة معينة للبروتين الثاقب وبين مستقبل ACE2 Receptor علي سطح الخلية المستهدفة. ومن المهم معرفة أن البروتين الثاقب يغير شكله قبل عملية انصهار الأغشية.

بعد ارتباط الفيروس بالخلية الحية يتم دمج غشاءها مع غشاء الخلية. ويقتحم الفيروس الخلية مستخدما البروتينات الثاقبة والتي تقوم بالتحليل المائي لبعض مكونات الخلية ثم تطلق قصاصات من المواد الوراثية (رنا) RNA

يهيمن الفيروس علي الخلية المصابة ويعطل جهاز مناعتها ويتم تسخيرها في صنع البروتينات اللازمة لتجميع نسخ جديدة من الفيروس. تنفجر الخلية المستهدفة ويخرج منها العديد من الفيروسات الجاهزة لاقتحام خلايا حية أخري.

يمكن لكل خلية مصابة إخراج الآلاف من نسخ الفيروس قبل انهيار الخلية وموتها.

يسبب محاربة الجهاز المناعي للفيروس حمي وفي الحالات الشديدة، يمكن للجهاز المناعي أن يبالغ في رد الفعل ويبدأ في مهاجمة خلايا الرئة. تصبح الرئتين مسدودة بالسوائل والخلايا الميتة، مما يجعل من الصعب التنفس. يمكن أن تؤدي حالات قليلة من العدوى إلى الضائقة التنفسية الحادة، وربما الوفاة.

كيفية انتشار الفيروس

قد تصيب الفيروسات الخلايا القريبة، أو ينتهي بها المطاف في قطرات تهرب من الرئة عبر قطرات السعال والكحة وأثناء الحديث والتنفس أو بايادي ملوثة وتنتقل إلي الأشخاص والأسطح القريبة، حيث يمكن أن يظل الفيروس معديًا لمدة تصل إلى 72 ساعة وأحياناً أكثر. ولهذا فمن الضروري أن يرتدي الأشخاص الذين تم تشخيص إصابتهم بأقنعة للحد من إطلاق الفيروسات. وينطبف هذا علي غير المصابين خصوصاً وان بعض حاملي الفيروس لا تظهر عليهم أعراض.

انتشر الفيروس في بلاد عديدة علي رأسها الصين التي استطاعت التحكم في الوباء بقرارات عزل صارمة وصلت حالات الإصابة علي مستوي العالم الآن حوالي 1,286,000 كما أدت إلي وفاة سبعون ألفاً حالة.

ساهم جهل وغرور بعض المسئولين في أمريكا وبريطانيا في تفاقم المرض وعدم احتوائه مبكراً.

العناية بالمصابين وعزلهم

من الطبيعي أن حالة صحة الانسان قبل إصابته بالفيروس تلعب دورا هام في احتمال شفائه فالمصابين بأمراض قلبية أو صدرية أو لديهم مرض السكر أو خلل بالكلة فهم أكثر الفئات المعرضة للوفاة. يخضع المريض للعزل وتستخدم أجهزة التنفس الصناعي لتخفيف معاناته بمعالجة الأعراض. إذا كانت صحة المريض جيدة فاحتمال الشفاء تكون عالية.

استراتيجيات المواجهة

يهرع البعض بتقديم وصفات شعبية واحياناً أدوية لم يثبت كفاءتها مما يفاقم الأوضاع بإعطاء وقاية زائفة أو آمال غير واقعية. ولكنه من المؤكد أن المنهج العلمي هو الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلي قديم مصل ودواء ناجحين. تتعدد استراتيجية المواجهة العلمية بدأً باختبار أدوية معروفة ضد الفيروسات التي نجحت في علاج فيروس سي أو فيروس الإيدز وغيره لعلها تنجح في القضاء علي الكورونا المستجد. وتشمل الجهود محاولات لتطوير هذه الأدوية. ولا يجوز استخدام أي دواء دون دلائل علمية واضحة من هيئات مسئولة.

أما البحوث الأساسية تركز علي البحث عن آسباب مناعة البعض لعل هذا يكشف معلومات ذات فائدة في اكتشاف العلاج واستخلاص الأجسام المضادة للفيروس المتواجدة في بلازما الدم واستخدامها في علاج آخرين وكذلك دراسة الجزيئات التي تلعب أدواراً مختلفة في مهاجمة الخلايا الحية وتصميم جزيئات تعطل وظائفها ومن ثم منع الفيروس من عمل نسخ جديدة فيتم القضاء عليه. هذا ماحدث في حالة الإلتهاب الكبدي الفيروسي مما أدي إلي شفاء الآلاف من المصريين وغيرهم.

دروس وتداعيات

هناك دروس وتداعيات هامة وكثيرة نتيجة لهذا الوباء الخطير، ليس هذا مجال بحثها بعمق ولكن يمكن ذكر عناوين عريضة منها: أهمية البحث العلمي للأمان الصحي، العلاقة الوثيقة بين البشر وبعضهم فالميكروب يجتاح العالم كله وحدود الدول لا تقي من الميكروبات، ومثل المخاطر البيئية تصيب وتهدد الجميع،

أننا كبشر نعتمد علي بعض ولا يمكن ان يعيش إنسان في معزل عن آخر. إن الفجوة الهائلة في الثروة ستدمر الجميع وليس الفقراء فقط، أن أسلوب الحصار الاقتصادي والذي يشمل حصار صحي بالضرورة هو جريمة شنيعة وجريمة اكبر في ظل الوباء، كذلك فإن وسيلة الهيمنة علي الدول من اجل ابتزازها هو اسلوب إجرامي ويجلب كوارث علي الدولة المعتدية والمعتدي عليها أيضاً، أن الشفافية ضرورة وإخفاء المعلومات لا ينجح في عالمنا الآن ويفقد الثقة بالمسئولين. يؤكد هذا الوباء ما هو بديهي من تشابك العالم والتعاون الوثيق بين الدول من جهة، وضرورة الاكتفاء الذاتي في المواد الاستراتيجية التي تشمل الغذاء الأساسي و المواد والأدوات صحية. إن المنهج الأمثل هو نبذ التبعية وفي نفس الوقت تصعيد التعاون في المجالات التي تعود بالفائدة علي الجميع وعلي رأسها البحث العلمي.

لقاح محتمل

لو أخيراً اشك لدي أن هناك علاج ناجح في طريقه للإكتشاف نتيجة الجهود الفائقة للعلماء. ولكننا لا ندري توقيت هذا الكشف الذي ننتظره جميعاً بفارغ الصبر لعله في شهور معدودة.

شبكة البصرة