الرئيس ولد الغزواني وإدارة النخب بقلم: عبد الله ولدبونا//مفكر وخبير استراتيجي 15يونيو2026

من خلال متابعة دقيقة وتحليل لأداء الرئيس ولد الغزواني منذ تولى صناعة القرار كرئيس لموريتانيا عام 2019 ، برزت ملامح علمية لإداراته للنخب الموريتانية بقواعد معروفة لدى العارفين بعلوم إدارة النخب .
وهي إدارة تجلت في فتح باب للحوار قلص المسافة بين الموالاة والمعارضة فخفف من حدة الكراهية السياسية بين نخبتين سياسيتين طالما ارتفعت بينهما جدران الشيطنة المتبادلة.
وتوسع أداء الرئيس نحو النخب الاقتصادية والمالية لتكون شريكا في التنمية لاقطب رهان على المال السياسي الانتخابي لأنه عامل وهن وترهل للنظام لا عامل قوة ، فجاءت القوانين المؤطرة للشراكة بين القطاعين العام والخاص في كثير من المشاريع الخدمية ذات النفع العام
لكن الأمر يحتاج مزيدا من العمل التدرجي المركز.
النخب الإدارية رغم ما يعتبره الرأي العام تدويرا ، فهي كذلك يتم فيها تطبيق جزئي لقواعد إدارة النخب الإدارية ، مع الحاجة لمكافحة الجمود ، فهو عدو النظام الخفي، إذ لابد من عملية تصعيد تجدد دماء النظام والدولة دون إخلال بالتوازن.

النخب السياسية والثقافية والاجتماعية طالها الإصلاح المتدرج وكذلك النخب العسكرية والأمنية ، لكنه لم يتبلور بعد كمشروع مؤسسي استراتيجي يكون رافدا للاستقرار الشامل.
فأغلب الضباط الأعلون أحيلوا للاحتياط وهم في ذروة الخبرة ، وكذلك كوكبة واسعة من الصف الثاني من نخب ضباط الجيش والأمن.

إن قواعد إدارة النخب كقوة للدولة وللنظام يفرض بقاء القوة القيادية جزء من عقل النظام والدولة.

ففي الدول التي تمر بمراحل إعادة تشكيل عميقة، لا يكون التحدي الحقيقي في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات، بل في كيفية إدارة النخب. فالنخب، بمختلف أنواعها، تمثل العقل المحرك للدولة، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مصدر صراع يهدد استقرارها إن تركت دون توجيه وتجديد جزئي مطرد أو توازن.
إذن الرئيس ولد الغزواني يعمل عبر برنامج وطني شامل يطبق في موريتانيا لأول مرة بهدوء.

الخيارات لا تبدو عديدة فإما إدارة النخب بوعي وتوازن، أو تركها تدخل في صراعات تستنزف الدولة من الداخل.

طبيعة النخب في الدولة الموريتانية
تتوزع النخب في موريتانيا – كما في غيرها إلى ثلاثة مكونات رئيسية
النخبة المدنية ؛ رجال الأعمال، والمثقفون، والإعلاميون.

النخبة السياسية؛ الأحزاب، والحكومة، والبرلمانيون
والنخبة العسكرية والأمنية، المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية
وكل واحدة من هذه النخب تملك أدوات قوة مختلفة
المدني يملك المال والتأثير الناعم
والسياسي يملك القرار
والعسكري يملك القوة الصلبة
وهنا تتشكل المعادلة الحساسة تعدد مصادر القوة دون إدارة محكمة يؤدي حتما إلى الصراع.

خطر ترك النخب تتصارع
عندما تترك النخب دون إطار ناظم، تظهر مجموعة من الاختلالات الخطيرة؛ أولها صراع النفوذ فكل نخبة تسعى لتوسيع مجالها على حساب الأخرى، مما يؤدي إلى التشويش على صانع القرار وربما إلى شلل القرار ،
ثانيا تضارب المصالح وتعطيل المشاريع الكبرى، لأن ذلك يشكل دولة داخل الدولة، خاصة عندما؛
تتحالف النخبة الاقتصادية مع السياسية أو تتضخم النخبة العسكرية خارج إطارها المهني.

فينتج عن ذلك إقصاء الكفاءات
حين تتحول النخبة الحاكمة إلى شبكة مغلقة، فيتم استبعاد الكفاءات الجديدة وتكريس الرداءة
وإضعاف آليات التجديد.

منطق إدارة النخب بدل الصراع

القيادة الاستراتيجية لا تمنع وجود النخب، بل تنظمها وتوجهها حسب أربعة مبادئ حاكمة هي
1. التوازن بين النخب
فلا تترك القوة تتركز في جهة واحدة.
و يتم توزيعها بحيث لا تطغى نخبة على أخرى ولا تستطيع جهة واحدة احتكار القرار
2. الاحتواء بدل الإقصاء
إقصاء النخب يولد المعارضة الظاهرة و الخفية ويراكم أسباب إضعاف النظام ذاته.

أما إدماجها في مشاريع وطنية
وأطر مؤسسية باتساع الدولة لجميع نخبها فيحولها إلى قوة إنتاج لا صراع.

3. الشرعية المزدوجة
إن كل نخبة تحتاج إلى شرعية قانونية تتجسد في مؤسسات،وشرعية كفاءة تتمثل في إنجاز
وبدون ذلك، تتحول إلى عبء على الدولة
4. التداول والتجديد
إن النخبة التي لا تتجدد تترهل وتنغلق ثم تسقط؛ والتجديد المنظم يمنع الانفجار المفاجئ.

التحدي الخاص بالرئيس ولد الغزواني
التحدي يتجلى في ثلاث جبهات:د
1. ضبط العلاقة بين السياسي والعسكري
عبر،ترسيخ مبدأ القرار سياسي والتنفيذ عسكري.

والحفاظ على احترافية المؤسسة العسكرية
ومنع تسييسها
2. تحييد المال عن القرار السياسي
عبر ضبط تأثير رجال الأعمال
ومنع شراء النفوذ، وتحويل رأس المال إلى شريك تنموي لا متحكم سياسي
3. إعادة هيكلة النخبة المدنية
وتمكين الكفاءات، ودعم النخب العلمية والفكرية وتجديد الخطاب الإعلام

إن نجاح أي قيادة في إدارة النخب يحتاج إلى أدوات عملية هي مؤسسات قوية وقضاء مستقل
وبرلمان فعال وأجهزة رقابة حقيقية تطبق المعايير والقوانين كما هي
و آليات اختيار شفافة في التعيين بالكفاءة وتقييم الأداء ومحاسبة المقصرين.
ولابد من مشروع وطني جامع، فالنخب تتصارع عندما تغيب الرؤية المشتركة، وتتعاون عندما تتوحد حول مشروع وطني واضح المعالم ؛ وقد تشرك فيه بنسبة معتبرة .
إن إدارة النخب معادلة استراتيجية دقيقة تقوم على تنظيم القوة وتوزيع النفوذ و تجديد النخبة لتحقيق استقرار الدولة ، واستقرار واستمرار النظام .
ولقد قطع الرئيس ولد الغزواني مراحل مهمة من هذا المسار ، رغم وجود مقاومة لإصلاحاته داخل المعارضة وداخل الموالاة ذاتها.
فموريتانيا تمر بتحول عميق يحتاج وعيا من جميع النحب لضرورة وأهمية إصلاحات دستورسة وقانونية شاملة تؤطر أسس نهضة موريتانيا الجديدة في عالم يعيد تشكيل ذاته ولا ينتظر الدول التي تغرق نخبها في صراع مزمن عبثي ، لايؤدي عادة إلا إلى
الاستنزاف داخلي، وتعطيل التنمية
والهشاشة السياسية ، وتلك ثلاثية هي الطريق إلى الانهيار التدريجي للأنظمة والدول.

إن الرهان الحقيقي أمام الرئيس ولد الغزواني الذي سيجعل بصمته الخاصة ذات أثر على الجمهورية الإسلامية الموريتانية هو بناء نظام ذكي لإدارة النخب كلها؛فالأنظمة والدول لا تسقط عادة بسبب أعدائها الخارجيين ، وإنما بصراعات نخبها حين تترك دون إدارة
وكلما نجح في تحويل النخب من مراكز صراع إلى أدوات تكامل،
اقتربت موريتانيا من نموذج الدولة المستقرة القادرة على استثمار مواردها وموقعها الاستراتيجي.
وصناعة حاضر ومستقبل أفضل