بين أزمة السؤال وأزمة الهوية لماذا يعجز الشباب عن بناء مشروع حضاري؟المحام السالك ولد أباه،

تمهيد
أرى أن أخطر الأزمات التي عرفتها موريتانيا ليست أزمات الاقتصاد أو التنمية أو الإدارة، وإنما أزمة السؤال المؤسس للدولة: من نحن؟. هذا السؤال، في تقديري، ظل مؤجلًا منذ البدايات الأولى للاستقلال، ولم يُحسم في أي لحظة تأسيسية حاسمة.
وأعتبر أن المؤتمر الجامع الذي انعقد في مدينة ألاك 2_5 مايو 1958 لم يقدّم جوابًا دستوريًا أو ثقافيًا نهائيًا عن هوية الدولة، مما أبقى المجال مفتوحًا أمام استمرار تصور وصفي لموريتانيا بوصفها “همزة وصل” بين فضاءات حضارية مختلفة. وأرى أن هذا الوصف، من زاوية التحليل السياسي، ليس تعريفًا لهوية دولة، وإنما توصيف وظيفي ارتبط بالمرحلة الاستعمارية ومنطق إدارتها للمستعمرات. وبالتالي فإن الإبقاء عليه بعد الاستقلال يعني استمرار أثر مفهوم لم يعد له سند موضوعي بعد زوال شروطه التاريخية.
وبعد ستة وستين عامًا من الاستقلال، ألاحظ أن النقاشات الوطنية والحوار السياسي لا تزال تتجنب الحسم الصريح في مسألتي اللغة العربية والهوية العربية للدولة، وتكتفي بالإشارة إلى الهوية الإسلامية بوصفها قاسمًا جامعًا، دون تحويل ذلك إلى بناء دستوري صريح وواضح لمفهوم الدولة وهويتها.
ومن هنا أعتبر أن أزمة الشباب ليست أزمة تعليم أو بطالة فقط، بل أزمة مركبة تتداخل فيها أزمة السؤال المعرفي مع غياب الحسم في سؤال الهوية.
أولًا: أزمة السؤال الفكري والمعرفي
أرى أن السؤال هو المدخل الطبيعي لأي نهضة حضارية. فالدول لا تتقدم بما تملكه من معلومات، بل بقدرتها على إنتاج السؤال، ومساءلة الواقع، وتفكيك المسلمات، وصياغة البدائل.
وحين ينشأ الشباب في بيئة يغلب عليها التلقين وتضعف فيها ثقافة النقد، يتحول العقل من منتِج للمعرفة إلى مستهلك لها، وتصبح المؤسسات التعليمية أقرب إلى منح الشهادات منها إلى إنتاج الفكر.
ثانيًا: أزمة الهوية
أعتبر أن الهوية ليست عنصرًا ثقافيًا ثانويًا، بل هي البنية التأسيسية للدولة. فهي التي تحدد موقعها الحضاري، وتوجه سياساتها اللغوية والتربوية والثقافية، وتمنح المجتمع شعوره بالاستمرارية التاريخية.
وحين يُترك سؤال الهوية دون حسم واضح، تنشأ حالة من الاضطراب في الوعي الجمعي، ويصبح الشباب أمام تعدد مرجعيات دون مركز جامع، مما يضعف القدرة على بناء تصور وطني متماسك للذات والمستقبل.
ثالثًا: تلازم أزمة السؤال وأزمة الهوية
أرى أن اجتماع هاتين الأزمتين ينتج حالة أكثر خطورة من كل واحدة منهما منفردة. فغياب السؤال ينتج عقلًا تابعًا، وغياب الهوية ينتج شخصية قلقة، أما اجتماع الاثنين فينتج جيلًا بلا مشروع حضاري واضح، يتحرك داخل واقعه دون بوصلة فكرية أو مرجعية دستورية مستقرة.
وعند هذه النقطة تتحول النقاشات العامة إلى إدارة خلافات جزئية، بينما تظل القضايا المؤسسة للدولة معلقة دون حسم.
رابعًا: الهوية في التجارب الدستورية المقارنة
ألاحظ أن التجارب الدولية الكبرى لم تترك مسألة الهوية معلقة، بل حسمتها في إطارها الدستوري والسياسي:
فرنسا رسخت مفهوم الأمة الفرنسية، وجعلت اللغة الفرنسية عنصرًا مركزيًا في الدولة والإدارة والتعليم.
إنجلترا حافظت على هوية سياسية وتاريخية مستقرة ضمن مؤسسات الدولة البريطانية.
الولايات المتحدة، رغم تعدد الأصول، بنت هوية مدنية جامعة تقوم على الدستور والولاء السياسي للدولة.
الصين، رغم تعدد القوميات، حسمت اللغة الرسمية ومفهوم الدولة ووحدتها بوصفها عناصر سيادية غير قابلة للتفاوض.
وأعتبر أن القاسم المشترك بين هذه النماذج هو أن الدولة لا تقوم على هوية معلقة أو متعددة بلا مركز، بل على تعريف دستوري واضح يمنع الغموض في الشخصية الوطنية.
خامسًا: نحو حسم المشروع الوطني
أرى أن معالجة أزمة الشباب لا يمكن أن تتم عبر الإصلاحات الجزئية وحدها، بل عبر إعادة طرح الأسئلة التأسيسية للدولة، وفي مقدمتها سؤال الهوية، وسؤال اللغة، وسؤال المشروع الحضاري.
فالدساتير ليست نصوصًا إدارية، بل هي تعبير عن الإرادة التأسيسية للأمم في تعريف ذاتها. وكل تأجيل لهذه القضايا الكبرى ينعكس بالضرورة على وعي الأجيال وقدرتها على بناء مشروع وطني متماسك.
خاتمة
أخلص إلى أن أزمة الشباب ليست أزمة ظرفية، بل هي نتيجة مباشرة لأزمة مشروع لم يُحسم بعد. فحين يغيب السؤال، يتعطل العقل، وحين تضطرب الهوية، تضطرب الدولة في تعريف ذاتها. أما حين يُحسم سؤال من نحن ويُستعاد حق السؤال النقدي الحر، فإن الأمة تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن التردد إلى الفعل ؟؟؟؟ سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .