موريتانيا بين رهانات الماضي وآفاق المستقبل/ علي لغظف امبارك

هناك لحظات في تاريخ الأمم يصبح فيها التغيير الفكري والسياسي ضرورة لا خياراً، لأن الزمن لا ينتظر المترددين، ولأن الشعوب التي تتطلع إلى المستقبل لا يمكن أن تبقى أسيرة خطابات الأمس. وموريتانيا اليوم تقف عند واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي تتطلب من الجميع، سلطة ومعارضة ونخباً ومثقفين، أن يرتقوا بخطابهم إلى مستوى طموحات الوطن.
لقد آن الأوان لأن يدرك بعض من يعتقدون أنهم أوصياء على الوعي السياسي، أو يحتكرون صفة النضال، أن السياسة لم تعد مجرد خطابات حماسية أو شعارات تستحضر الماضي كلما ضاقت بها الحجة. فالسياسة الحقيقية هي القدرة على بناء الأمل، وصناعة الحلول، وتحويل الاختلاف إلى قوة تدفع الوطن إلى الأمام، لا إلى الوراء.
لقد تغيّر المواطن الموريتاني، وأصبح أكثر وعياً ونضجاً. فهو يراقب، ويحلل، ويقارن، ولم يعد يقبل أن يُختزل مستقبله في صراعات النخب أو الحسابات الضيقة. إن المواطن اليوم يريد مدرسةً أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وفرص عمل تحفظ كرامته، وعدالةً يشعر بثمارها، ودولةً يتساوى فيها الجميع أمام القانون.
إن المرحلة التي تعيشها موريتانيا تفرض الانتقال من سياسة تأجيج الأزمات إلى سياسة صناعة الفرص، ومن خطاب التخوين إلى خطاب الثقة، ومن ثقافة الانقسام إلى ثقافة الشراكة الوطنية. فالأوطان لا تبنى بإحياء الخصومات، وإنما تبنى بإحياء الأمل في نفوس أبنائها.
وفي هذا الإطار، يرى مؤيدو رئيس الجمهورية، محمد ولد الشيخ الغزواني، أن نهجه السياسي يمثل محاولة لترسيخ الاستقرار، وتعزيز الوحدة الوطنية، وإطلاق برامج اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر احتياجاً، مع الحفاظ على السلم الأهلي والانفتاح على مختلف مكونات المجتمع. ويعتبر هؤلاء أن هذا النهج يعكس رؤية تقوم على تغليب المصلحة الوطنية على التجاذبات السياسية.
وفي المقابل، فإن أي عمل سياسي، سواء كان في الموالاة أو المعارضة، يكتسب قيمته بقدر ما يقدم من حلول واقعية وقابلة للتنفيذ. فالمواطن لا يحتاج إلى تضخيم الأزمات بقدر حاجته إلى من يقترح معالجتها، ولا إلى من يصف الواقع فقط، بل إلى من يسهم في تغييره نحو الأفضل.
إن وحدة موريتانيا ليست شعاراً سياسياً يرفع في المناسبات، بل هي مشروع وطني دائم، ومسؤولية مشتركة بين الجميع. وكل خطاب يزرع الشك بين أبناء الوطن، أو يوسع دائرة الانقسام، أو يجعل المصالح الفئوية تتقدم على المصلحة العامة، هو خطاب يخسر الوطن مهما حقق من مكاسب سياسية مؤقتة.
إن التاريخ يعلمنا أن الدول التي نجحت في صناعة نهضتها لم تفعل ذلك لأنها خلت من الخلاف، بل لأنها أحسنت إدارة خلافاتها، وجعلت الوطن هو السقف الذي يلتقي تحته الجميع. أما الدول التي جعلت السياسة ساحة للصراع الدائم، فقد أهدرت طاقاتها في معارك داخلية كان الأولى أن توجَّه نحو التنمية والإصلاح.
إن موريتانيا اليوم تحتاج إلى خطاب سياسي جديد، خطاب يؤمن بأن الاختلاف حق، وأن الوحدة واجب، وأن التنمية مسؤولية جماعية، وأن المواطن هو الغاية الأولى لكل مشروع سياسي. فالوطن لا يبنى بمن ينتظر تعثره، وإنما بمن يعمل على نجاحه، ولا يتقدم بمن يعيش على صناعة الأزمات، وإنما بمن يصنع الحلول.
ويبقى المعيار الحقيقي لأي تجربة سياسية هو ما تحققه للمواطن من أمن واستقرار، وعدالة وإنصاف، وتنمية وازدهار، ووحدة وطنية راسخة. فالأشخاص يرحلون، والأحزاب تتغير، أما الوطن فهو الباقي، وهو الأمانة التي يجب أن تسمو فوق كل الحسابات، وأن تظل فوق كل الخلافات.