​موريتانيا: نحو إعادة تأسيس الأخلاق السياسية… قراءة في رهان حزب “الإصلاح”الخبير سيدى ولد الحضرامي ولد خطري،

​لقد أدى تطور المشهد السياسي في موريتانيا، في كثير من المحطات، إلى صياغة نظرة ضيقة للعمل الحزبي، حيث غالباً ما يُختزل في السعي وراء المناصب أو المصالح الشخصية الضيقة. وأمام هذا الواقع الراهن، يحظى مسار حزب “الإصلاح” باهتمام خاص؛ إذ تبرز من خلاله محاولة جادة لتقديم رؤية طموحة، قادرة على تجديد الآفاق في الأذهان وإعادة النبل والاعتبار للالتزام العام. ويظهر تحليل الواقع الوطني أن نجاح مثل هذا المشروع يرتكز على ديناميكية قطيعة بناءة مع ممارسات الماضي، وهو جهد يتطلب أولاً فهم تطور العمل السياسي في البلاد على ضوء جذوره التاريخية والاجتماعية.
​الجذور التاريخية: معضلة البنى التقليدية و”الحزب-الدولة”
​إن نظرة فاحصة على التاريخ السياسي الموريتاني تكشف أن المجتمع عانى تاريخياً من ضعف سلطة سياسية مركزية جامعة، ومن سيادة وتجذر البنى القبلية والفئوية. هذا الواقع السوسيولوجي تسبب، عبر العقود، في تغليب المصلحة الخاصة والولاءات الضيقة على حساب المصلحة العامة ومفهوم المواطنة والدولة الحديثة.
​ومع نشوء الدولة الوطنية، تكرست هذه المعضلة من خلال مفهوم “الحزب-الدولة”؛ فمع كل انتقال أو تغيير في السلطة, تتكرر ظاهرة مألوفة: ميل قوي نحو الترحال الجماعي (الترحال السياسي) للأفراد والمجموعات التقليدية باتجاه القادم الجديد إلى السلطة، سعياً وراء الامتيازات ودون أدنى اعتبار للخيارات السياسية أو الأسس الأيديولوجية.
​وقد أضعف هذا الترحال الانتهازي، بشكل جلي، المعنى العميق للعمل الحزبي. لهذا السبب، يبدو من الواضح أنه لكي تكتسب الأحزاب مصداقيتها اليوم، يتعين عليها حتماً أن تحمل رؤية وطنية واضحة وخيارات سياسية حقيقية، تكون قادرة على تعبئة الشعب وإقناعه بالأفكار، بدلاً من الاعتماد على نفوذ الدولة أو التموقعات الظرفية.
​رؤية الحزب وتقاطعها مع برنامج فخامة رئيس الجمهورية
​وفي سياق استقلالية الفكر هذه تحديداً، يرتسم خط حزب “الإصلاح”، لا سيما من خلال صياغته لرؤية وطنية متكاملة تنبع من قناعاته الفكرية تجاه القضايا المصيرية للبلاد. وهي رؤية متبصرة تتقاطع، في عمقها وأهدافها الاستراتيجية، مع برنامج فخامة رئيس الجمهورية، الذي جعل من وحدة الوطن والعدالة الاجتماعية محاور أساسية لعهده.
​إن هذا التقاطع البنّاء بين رؤية الحزب وبرنامج فخامة رئيس الجمهورية يتجسد في طرح حلول جذرية لأمهات المشاكل الوطنية، عبر حزمة من الخيارات الكبرى التي يضعها الحزب في صدارة أولوياته:
​قضية الهوية والوحدة الوطنية: يرى الحزب أن الوحدة الوطنية لا يمكن فرضها بمرسوم اصطناعي، بل يجب أن تجد جذورها العميقة في هوية الأمة، وتنوعها الثقافي الثري، وقيمها الإسلامية المقدسة. إن هذا المرتكز الروحي والثقافي هو صمام الأمان للتماسك الداخلي، والمحرك للإشعاع التاريخي لموريتانيا.
​ملف الإرث الإنساني: ينطلق الحزب من مبدأ سيادي حاسم؛ وهو أن ملف الإرث الإنساني قضية وطنية بامتياز، يجب أن تُحل في إطار البيت الداخلي الموريتاني ووفق مقاربات وطنية خالصة. ويرفض الحزب قطعياً أي استغلال خارجي لهذا الملف الحساس من قِبل قوى الاستعمار التقليدي والجديد، التي تسعى لتدويل مثل هذه القضايا وتغذية النزاعات الداخلية وفقاً لمفهومها الاستراتيجي الرامي للتحكم في مناطق العالم وتأمين مصالحها القومية على حساب سيادة الشعوب.
​مواجهة الغبن الاجتماعي: يطرح الحزب مقاربة جادة لمعالجة الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، مؤكداً على ضرورة تحقيق العدالة التوزيعية وإنصاف الفئات المغبونة تاريخياً وتنموياً، كشرط أساسي للاستقرار الاجتماعي.
​محاربة الفساد: يشكل التصدّي للمفسدين وحماية المال العام ركيزة بنيوية في خطاب الحزب، باعتبار أن الفساد هو العائق الأول أمام أي تطلّع تنموي حقيقي.
​تحرير المخيال الجمعي واليقظة الجمهورية
​إن الانخراط في معالجة هذه القضايا الكبرى يفرض خوض ورشة ثقافية أوسع نطاقاً لتفكيك الإرث التقليدي السلبي. إذ يتطلب الأمر عملاً أساسياً لتحرير المخيال الجمعي من فكرة أن السياسة هي وسيلة لتلبية الطموحات الشخصية، أو المصالح القبلية والفئوية التي نمت على حساب الدولة الجامعة. وتماشياً مع توجهات حزب “الإصلاح”، ينبغي الإقرار بأن العمل السياسي ليس مصعداً اجتماعياً ولا وسيلة للإثراء، بل هو أداة مخصصة حصرياً لخدمة المصلحة العامة.
​ويجد هذا التحديد الجديد لدور الفاعل السياسي امتداده الطبيعي في الإيمان بالدولة وبصلابة مؤسساتها. ومع ذلك، فإن تقاطع رؤية الحزب مع برنامج فخامة رئيس الجمهورية لا يعني التبعية الجوفاء؛ بل يترافق مع يقظة جمهورية ورؤية دقيقة لسير الشؤون العامة. فالقوة السياسية الحليفة والصادقة يجب أن تملك الشجاعة للإشارة إلى الاختلالات من أجل تصحيحها وإصلاحها لخير الأمة ـ وهو النهج الذي يحاول حزب “الإصلاح” تجسيده بدقة.
​من “تقاسم الكعكة” إلى البناء الوطني
​ولكي تكون هذه اليقظة ذات مصداقية، يجب أن تستند إلى قاعدة ذهبية ثابثة: «السياسة ليست تجارة، والمعارضة لا ينبغي أن تكون أصلاً تجارياً للمساومة». وفي هذا الصدد، يعد الرفض القاطع من جانب حزب “الإصلاح” لسياسة المقايضة والمساومات السياسوية خطوة مشهودة تهدف إلى تجاوز إرث سيادة البنى التقليدية وتحصين الجبهة الداخلية ضد التدخلات الأجنبية. لقد حان الوقت لقطع دابر هذه الممارسات التي تجعل من المواقف السياسية مجرد رافعة للمزايدات الشخصية والقبلية، والانتقال نحو سياسة القناعات والمبادئ.
​إن طريق الإصلاح شاق ومحفوف بالتحديات، لكنه يفرض نفسه كالمسار الوحيد القابل للحياة من أجل مستقبل موريتانيا. لقد حان الوقت للمجتمع والنخبة للانتقال من سياسة “تقاسم الكعكة” والمحاصصة الضيقة إلى سياسة البناء الوطني الشامل، خلف خيارات وطنية جامعة ومحصنة. ومن خلال شبكة القراءة هذه، فإن تجربة حزب “الإصلاح” تستحق الفحص والدعم، لأنها تسعى جاهدة لإعادة تأسيس أخلاق سياسية لا غنى عنها لإنارة المشهد الوطني.