سوق المحروقات في موريتانيا: العقدة والحل بقلم: عبد الله ولد بونا//مفكر وخبير استراتيجي،،
يعد قطاع المحروقات في موريتانيا أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا على الاقتصاد الوطني والحياة اليومية للمواطن.
فعلى الرغم من الارتباط الوثيق بأسعار النفط العالمية، يلاحظ المتابع أن السوق المحلي لا يستجيب بالسرعة نفسها لانخفاض الأسعار كما يفعل عند ارتفاعها.
و هذه المفارقة تطرح سؤالا جوهريا لدى الرأي العام هل المشكلة في السوق العالمية أم في بنية السوق المحلية؟
ولابد من تفكيك بنية سوق المحروقات في موريتانيا لفهم كل أبعاد ذلك
إن جذور العقدة تبدأ من الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد فموريتانيا لا تنتج ولا تكرر النفط محليا، فهي تستورد المشتقات النفطية جاهزة. وهذا يجعلهامتلقية للأسعار لا صانعة لهاوعرضة لتقلبات الأسواق الخارجية دون حماية داخلية مؤثرة.
فرغم العمل على رفع حجم التخزين إلى 200ألف متر مكعب ؛ فإنه لم يحقق بعد المستوى العالمي الآمن الذي يتراوح مابين 90إلى 120يوما
فهذه الطاقة التخزينية لاتغطي إلى مابين 41يوما إلى 54يوما ، وهذا معدل حرج تماما ، لايمنح فرصة للتحكم في الأسعار.
ثم إن السوق الموريتانية تمد بالمحروقات من شركة أو شركاا وسيطة لا تمتلك مصافي .فالمحروقات تصل إلى موريتانيا عبر سلاسل توريد تمر غالبًا عبر أوروبا، مما يعني خلقة
تكلفة إضافية غير مرتبطة بسعر النفط الخام.
ويعد فقدان ميزة القرب الجغرافي من مصادر الطاقة في الخليج وإفريقيا (باستثناء القرب من الجزائر) عاملا آخر يرفع التكلفة .
وهناك التأخر الزمني في انتقال الأسعار بعد انخفاضها عالميا ،فالوقود الذي يستهلك اليوم تم شراؤه في وقت سابق، وبالتالي لا ينعكس عليه انخفاض الأسعار عالميا فوريا
فالسوق المحلي لا بد أن يعيش دائمًا زمنًا متأخرًا عن السوق العالمية في حالات الانخفاض
وهناك ثقل التكاليف المحلية ؛فالسعر النهائي للمحروقات لا يتكون من سعر النفط فقط، بل من
النقل والتأمين والتخزين والضرائب وهوامش الربح من التوزيع.
وهذه العناصر قد تبتلع جزء كبيرا من أي انخفاض عالمي، فإذا كان الانخفاض عالميا هو 10% ، فقد تصل منه 3% عند محطة التعبئة.
ويؤثر نمط التسعير الإداري الذي
تعتمده الدولة في المراجعات دورية للأسعار ، الذي يكون بدل آلية ديناميكية أسرع استجابة ، وذلك قد يؤدي إلى بطء في تمرير الانخفاضات؛ وسرعة في تمرير الارتفاعات.
إن ديناميكية سوق المحروقات عالميا هي كذلك ، فلماذا ترتفع الأسعار سريعا وتنخفض ببطء؟
هي ظاهرة ليست محلية فقط في موريتانيا ، بل عالمية، لكنها تتضخم في موريتانيا بسبب غياب المنافسة الحقيقية؛ وضعف الشفافية، وعدم كفاءة الأدوات المالية لتخفيف الصدمات.
فالسوق الموريتاني يستجيب للأزمات أكثر مما يستفيد من الانفراجات ، رغم محدودية القدرة التخزينية ، فموريتانيا فعلا ضاعفت قدرتها التخزينية لكنها عمليا تحتاج لمضاعفتها 3مرات لتحقق مستوى الأمان العالمي من 90إلى 120يوما
ومايجري هو إدارة الهشاشة الطاقوية .
إن جوهر المشكلة هو في موقع موريتانيا في سلسلة القيمة
يمكن تلخيص العقدة في نقطة واحدة:
موريتانيا تقع في أسفل سلسلة القيمة الطاقية
أي أنهالا تنتج ولا تكرر ولا تخزن بشكل استراتيجي مريح ولا تعيد التصدير.
وبالتالي فهي مستهلك نهائي يتحمل كل التكاليف دون أن يمتلك أدوات التأثير.
كيف ننتقل من التبعية الطاقوية إلى السيادة الجزئية
لابد أولا من إصلاح آلية التسعير عبر ربط الأسعار بمؤشر عالمي واضح ، فتحرير سعر المحروقات لا معنى له مالم يتم ذلك الربط.
ولابد ثانيا مم تحديث دوري سريع وشفاف يحد من بطء انعكاس انخفاض الأسعار عالميا على السوق المحلي.
ولا بد من الشفافية في نشر معادلة التسعير للرأي العام
ومن الأهمية بمكان وجود صندوق استقرار وادخار الفوائض عند انخفاض الأسعار ودعم السوق عند الارتفاع، وبذل أقصى جهد في حماية المواطن من تقلب الأسعار
ويأتي تنويع مصادر التوريد ضمن الأولويات ، فالقرق شاسع بين الاستيراد من مصدر يملك مصفاة وآخر لا يملكها، فالأخير وسيط يرفع التكلفة بنسبة معتبره، كما هو حال الشركة التي هي صاحبة عقد “الامتياز” في الوقت الراهن.
إن السيادة الطاقوية ولو جزئيا ، تفرض فتح قنوات مباشرة مع دول منتجة عديدة ، لتقليل الاعتماد على الوسطاءوتحسين شروط الشراء
كما أن بناء مخزون استراتيجي
تخزين أعلى يغطي 70 إلى 90 يوما يتيح مساحة مناورة أفضل في سوق المحروقات؛ الشراء عند الانخفاض؛ والبيع عند الارتفاع.
ومن الأولويات مزيد من تطوير البنية اللوجستية؛ وتحسين الموانئ
وتوسيع قدرات التخزين وتقليل تكلفة النقل الداخلي
ولاشك أن دخول الدولة كمشتر ذكي يتولى التفاوض على عقود كبيرة مهم في العملية
ومحاولة الاستفادة من اقتصاد الحجم؛ وتقليل تكلفة الاستيراد.
لكن كل ذلك لا يغني عن أعداد خطة التحول الاستراتيجي، التي تقوم على
1. التكرير المحلي الجزئي
عبر إنشاء مصفاة صغيرة يسمح بـاستيراد النفط الخام الأرخص
وخلق قيمة مضافة محلية لتقليل التبعية الطاقوية الكاملة
2. استغلال الغاز الوطني
مع دخول موريتانيا عصر الغاز
حيث يمكن تدريجيا تقليل الاعتماد على الوقود المستورد و
دعم إنتاج الكهرباء محليا
3. التحول إلى مزيج طاقي
عبر الاستثمار في الطاقة الشمسية
وتقليل استهلاك الديزلوتخفيف الضغط على سوق المحروقات
4. التحول إلى منصة إقليمية
للتخزين وإعادة تصدير الوقود لدول الساحل واستغلال الموقع الجغرافي؛وخلق نفوذ اقتصادي إقليمي
إن مشكلة سوق المحروقات في موريتانيا ليست في الأسعار العالمية، بل في البنية المحلية التي تجعل البلاد متلقية سلبية لتقلبات السوق. والحل لا يكمن في إجراء واحد، فهو في تحول متكامل يعيد تموضع موريتانيا داخل سلسلة القيمة الطاقية.
الانتقال من مستورد تابع في آخر السلسلة إلى فاعل ذكي يمتلك أدوات التأثير، ويتقدم خطوات في سلاسل سوق الطاقة ذاتها.
إن ذلك ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار الاقتصادي والسيادة الطاقية في عالم تتزايد فيه الأزمات وتشتد فيه المنافسة على الطاقة.
ولابد من ابتكار آليات لامتصاص موجات الأزمات المرتدة على اقتصادنا بدل البقاء مكشوفين لها كل مرة