حزب الإصلاح: من منطق التنظيم إلى أفق الدولة بقلم: عبد الله ولدبونا

اللقاء السياسي الذي قدم فيه رئيس حزب الإصلاح رؤية الحزب كأحد أحزاب الأغلبية البارز ، الداعمة لصاحب الفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ، كان لقاء مميزا ، محتوى ولغة وأسلوبا.
ففي لحظات التحول السياسي، لا يقاس نضج الأحزاب بحجم حضورها التنظيمي فقط ولاقوة تمثيلها في البرلمان والحكومة ، لكن بقدرتها على تجاوز ذاتها نحو أفق أوسع: أفق الدولة. وفي هذا السياق، جاءت مقابلة رئيس حزب الإصلاح في برنامج “اللقاء السياسي” على التلفزيون الرسمي لتُشكّل لحظة فارقة، ليس في الخطاب الحزبي الناضج الوعي بل في إعادة تعريف العلاقة بين الحزب والدولة.
ومن ما ميز هذه المقابلة أنها لم تقدم عرضا تقليديا لبرنامج الحزب ، فلقد قدمت رؤية تتجاوز منطق “بناء الحزب” إلى فلسفة “بناء الدولة”.
وهذا التحول في الطرح يعكس إدراكًا عميقا بأن الأحزاب، مهما بلغت قوتها، تبقى وسائل لا غايات، وأن الدولة هي الإطار الجامع الذي ينبغي أن تُسخر له كل الطاقات.
لقد بدا واضحًا أن الخطاب لم ينشغل بتوسيع القاعدة الحزبية بقدر ما ركز على بناء منظومة وطنية قادرة على الاستمرار، تقوم على المؤسسات لا الأشخاص، وعلى القواعد لا الولاءات. وهو طرح ينسجم مع برنامج الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني و مع حاجات المجتمعات التي تسعى إلى الاستقرار بعد تجارب طويلة من التسييس الضيق ، والهروب من المكاشفه والصراحة والتشخيص الدقيق للواقع.
المقابلة أيضا حملت بعدا مهما يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات من التنافس الحزبي إلى التكامل الوطني. فحين يقدم حزب ما نفسه كأداة في خدمة الدولة، فإنه يفتح المجال لشراكات أوسع، ويخفف من حدة الاستقطاب، ويمهد لبيئة سياسية أكثر نضجا
كما أن اللغة التي استخدمت اتسمت بقدر من الاتزان والابتعاد عن الخطاب التعبوي الشعبوي ، وهو ما يعكس تحولا من السياسة كصراع إلى السياسة كإدارة عقلانية للمصالح العامة. وهذا بحد ذاته مؤشر على انتقال في الوعي السياسي من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدما.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في جمال الطرح، بل في القدرة على ترجمته إلى سياسات عملية. فبناء الدولة يتطلب ما هو أكثر من النوايا الحسنة و يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية، وشفافية، وقدرة على إشراك مختلف الفاعلين دون إقصاء.
وهذا ما يتضح من ظلال تصريحات السيد رئيس حزب الإصلاح.
الابتعاد عن الأدلجة في الحوار الوطني من أجل صناعة الحاضر والمستقبل كان ملمحا مهما ضمن حزمة واسعة من الأفكار المبدعة التي قدمها حزب الإصلاح على لسان رئيسه.
في المحصلة، يمكن القول إن هذه المقابلة لم تكن مجرد ظهور إعلامي عابر، إذ كانت إعلانا ضمنيا عن محاولة إعادة تعريف الدور الحزبي في الفضاء العام.
وخارطة طريق وطنية جامعة.
وإذا ما تم البناء على هذه الرؤية بجدية، فقد تشكل خطوة نحو ترسيخ نموذج سياسي يجعل من الدولة غاية جامعة، ومن الحزب أداة واعية في خدمتها.
ومن الحوار الوطني الجاد غير المؤدلج وسيلة نحو حاضر ومستقبل أفضل لموريتانيا