التأطير السياسي ( اللقاء الثاني) مع مسؤول الإعلام الأستاذ الحسن ولد محنض



في إطار برنامج التأطير السياسي الذي تشرف عليه منظمة الشباب والطلبة لحزب الإصلاح، نُظّم اللقاء الثاني من هذا التأطير، والذي أشرف عليه ، مسؤول الإعلام الأستاذ الحسن ولد محنض، وذلك بهدف رفع الوعي السياسي لدى شباب الحزب، وتعزيز فهمهم لمفاهيم السياسة، وأبعادها الأخلاقية والفكرية، والواقعية فضلا عن دورها في بناء المجتمع والدولة.
أولًا: السياسة خارجة من رحم الفلسفة
استُهلّ اللقاء بالحديث عن صعوبة تعريف السياسة ووضع قواعد ثابتة لكون السياسة متحركة بطبيعتها لا تقبل القيد الوصفي وبدأ بشرح العلاقة الوثيقة بين الفلسفة والسياسة، حيث ولدت السياسة في فكر الفلاسفة قبل أن تترجم إلى واقع يتحكم اليوم في كل شيء وخاصة في بعدها النظري حيث السياسة في الفلسفة لا تنظر إلى الواقع بل تنظر الى”ما ينبغي أن يكون” ولذلك اتسمت السياسة عند الفلاسفة القدماء بمسحتها الأخلاقية الموغلة في المثالية، حيث السياسة لا تنفصل عن منظومة القيم، وبهذا تكون الأخلاق أساسًا ناظمًا للفعل السياسي الرشيد.
فما دام الهدف تحقيق الخير العام وسعادة الإنسان فيجب الربط بين الأخلاق والسياسة،
وتم تبعا لذلك تصور المجتمع الفاضل والجمهورية الفاضلة وأسس الحكم الرشيد والديمقراطية .. إلخ
ثانيًا: السياسة في الإسلام
تطرق المؤطر إلى مفهوم السياسة في الإسلام، مبرزًا أنها تقوم على ركيزتين أساسيتين غايتهما :
المحافظة على الدين
وإصلاح شؤون الدنيا والركيزتان هما:
الشورى والعدالة وتشكلان جوهر العمل السياسي المقيد بمقتضى الشرع في التصور الإسلامي، مع هامش اختيار واسع من بين الوسائل الكفيلة بتحقيق الأهداف.
مستطردا أمثلة الحكم المختلفة في العصرين النبوي والراشدي وتطبيقاتهم المختلفه للشورى.
ثالثًا: السياسة في الفكر الحديث
ناقش الأستاذ الحسن ولد محنض ملامح السياسة في فكر العصر الحديث، وكيف تطورت السياسة فيه الى التركيز على العقد الاجتماعي، والحرية الفردية، وسيادة القانون وشيوع مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، وانتشار الانتهازية السياسية، حسب مقتضيات الظروف ومجريات الأحداث، وما يقتضيه ضمان الوصول السلطة او الاحتفاظ بها فتصبح جميع الوسائل مُباحة لضمان بقاء السلطة وممارستها، مؤكدًا أن السياسة في المبدأ الميكافيلي لا تحد أخلاقيًا بقدر ما تُصنَّف وفق سياقاتها ونتائجها.
رابعا : السياسة في العلوم السياسية
أوضح المؤطر أن العلوم السياسية تُعنى بدراسة الواقع كما هو، بدلا من الفكر النظري حيث السياسة تعني ممارسة السلطة، وتوزيع الموارد، واتخاذ القرارات الجماعية لإدارة شؤون المجتمع والدولة. وهي فن وعلم حكم المجتمعات، وتشمل العلاقات بين الحكام والمحكومين، وصراعات القوى، وتفاعلات الجماعات لتحقيق مصالح مشتركة أو فرض قيم معينة، بالإضافة إلى إدارة الأزمات باستخدام أدوات الشرعية والإكراه.
وأن طرق تحرك السياسة تختلف باختلاف الدول والأنظمة والظروف الاجتماعية.
خامسًا: تطبيقات المعرفة على السياسة
أوضح المؤطر أن السياسة المعاصرة، رغم طابعها المكيافيلي، لا يمكن أن تكون فاعلة دون مبدأ أخلاقي. فكل سياسي ناجح لا بد أن:
يمتلك مبدأ واضحًا
وأن يتحلى بمسحة أخلاقية يكون بموجبها نموذجًا يُحتذى به في السلوك والمسؤولية
والترفع عن السياسة التافهة وتبعية مجموعات المصالح واللوبيات.
كما شدد على ضرورة اهتمام السياسي بإصلاح المجتمع، وامتلاكه الوعي والمعرفة بسياق مجتمعه، والسعي لاستكمال النواقص واستثمار الفرص المتاحة. وامتلاكه قدرات من أهمها التفاوض والتواصل وإدارة الأزمات:
لكي يكون قادرا على التأثير وتعزيز انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام.
سادسا: السياسة والمجتمع
أكد المؤطر أن السياسة اليوم دخلت في جميع جوانب الحياة، وأنه لا يمكن أن يكون الإنسان سياسيًا دون فهم ما يجري في المجتمع، والاطلاع على الخطابات السائدة، ومتابعة الأخبار المحلية والعالمية.
ودون الاستعداد
للتعبير عن الاتجاه الجماهيري وهمومه وتطلعاته ودون الاستعداد لتعزيز الانخراط المجتمعي في السياسة حيث السياسي لا يجلس خلف مكتب .. بل مع الجماهير وفي قلب المعركة
محملا السياسي مسؤولية التنمية الفكرية للمجتمع، ومعتبرًا أن دراسة المجتمع وفهم سلوك الناس وطريقة تفكيرهم جزء لا يتجزأ من العمل السياسي. والانسان في صراع دائم لضمان وجوده، وتثبيت استقراره وتنمية موراده، وهذه الثلاثية هي عمق فهم السياسة.
سابعا: السياسة والثقافة
وأخيرا التأكيد على أن السياسي الحقيقي لا بد أن يكون مثقفًا وواعيًا، قادرًا على قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي، خاصة وأن الثقافة هي المحركة للسياسة إذا أصابها الجمود ومع ذلك فلا تتطلب السياسة في بعدها العملي كبيرة ثقافة ، وأشار إلى أن الفكر السياسي الكلاسيكي في المجتمع العربي الاسلامي بلغ ذروته مع ابن خلدون، وتوقف عنده بينما تفرض المرحلة الراهنة أدوات ورؤى جديدة منسجمة مع الخصوصية الاجتماعية والثقافية في البلدان السائرة في طريق الديمقراطية لفهم السياسة وممارستها.
وفي حديثه عن حزب الإصلاح وأهدافه ومبادئ قال :إن السياسة عند أهلها غايتها تحقيق المصالح بحسب الممكن ، أما الإصلاح فهو تحقيق ما يبدو أنه صعب أو غير ممكن..
واختتم بتساؤلين وجههما إلى الشباب الأول منهما : إذا خير أحدكم بين حزبه وضميره ، فمن يختار؟ وأجاب بأن عليه في هذه الحالة أن يتبع ضميره ، لأن الإنسان يمكن أن يعيش بلا حزب ، لكنه لا يستطيع أن يحيا بلا ضمير
والسؤال الثاني إلى أي مدى من الخطير أن تكون وأنت في الأغلبية على حق عندما تكون الحكومة على خطأ؟ وترك السؤال معلقا.
وقد شكّلت هذه الحلقة محطة مهمة في مسار التأطير السياسي لشباب الحزب، لما تضمنته من مفاهيم عميقة ونقاشات فكرية أسهمت في توسيع مدارك المشاركين، وتعزيز وعيهم بدورهم السياسي والمجتمعي، انسجامًا مع أهداف منظمة الشباب والطلبة لحزب الإصلاح في إعداد جيل واعٍ، مثقف، ومسؤول.