إعلان آلية تسعير حسب السوق العالمي ليس إعلانا لخفض أسعار المحروقات* بقلم: عبد الله ولدبونا ذ/خبير استراتيجي

10يناير 2025
في البداية، يجب أن نفهم أن الخطوة التي قامت بها الحكومة الموريتانية ، ليست قرارًا سياديًا محضًا ولا مؤامرة، بل هي استجابة جزئية لضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ضمن اتفاقات تفاوضت عليها الحكومة نفسها.
وهذه المؤسسات عادةً تشترط على الدول المقترضة أو المستفيدة من القروض أن تقلص دعم المحروقات، وتحرر الأسعار أو تجعلها مرتبطة بالسوق العالمية، وتخفف العبء عن الميزانية العامة.
ما يحدث في موريتانيا الآن، هو الانتقال من سعر إداري ثابت إلى آلية تسعير مرنة مرتبطة بالسوق، وهو حل وسط بين الحكومة والممولين الدوليين ، ولا يعد إملاءً فجًّا، فهو تنفيذ لالتزامات تفاوضت عليها الدولة نفسها مقابل تسهيلات الميزانية والدعم المالي.
والإعلان عن حجم تمويلات وتسهيلات تجاوز المليار أورو في بداية سنة 2026، لأول مرة في تاريخ موريتانيا المالي ؛ بعد إعلان القانون الجديد لآلية تسعير المحروقات ، مقصود لكشف نتيجة هذا القانون الجديد.
من الناحية الشكلية الاقتصادية، الخطوة منسجمة مع مبادئ الاقتصاد، فهي تقلل الضغط على الميزانية، وتخفض العجز المالي، وتزيد شفافية الحسابات. كما توفر مرونة محتملة في الأسعار إذا انخفض السعر العالمي. لكن من الناحية الاجتماعية، القرار ضعيف، لأنه لم يسبق بإجراءات حماية كافية للفئات الهشة، ولم يُشرح للناس بشكل واضح، كما لم يُربط بأي برامج تخفيف حقيقي ؛ مثل دعم النقل، والغذاء أو الأجور، عبر توجيه حزمة صد للتضخم الذي يتوقع أن يحدث حتما ، ولو بتوجيه دعم المحروقات إلى الطبقات ضعيفة الدخل ، بدل تساوي الغني والفقير فيه بالطريقة التي كانت معتمده، و بالتالي، فإن الجدوى الفعلية مشروطة بشفافية حقيقية، ونشر معادلة التسعير، وتدخل الدولة عند الصدمات الكبيرة بخطة معدة مسبقا دقيقة التوجيه.
أما المستفيدون والخاسرون من هذه الآلية، فهم كالتالي.
أكبر مستفيد مباشر هو الدولة نفسها، لأنها تقلص دعم الوقود وتخفف عبء سياسي ومالي مزمن، مما يمنحها هامش حركة مالي أوسع، لكن على حساب المستهلك.
و البنك الدولي والمانحون مستفيدون غير مباشرين ، لأنهم يرون في هذه الخطوة إصلاحًا هيكليًا وانضباطًا ماليًا يجعل سياسات الدولة أكثر قابلية للتنبؤ، ويسهل تمرير القروض وضمان أن أموالهم لا تُهدر.
وشركات الاستيراد والتوزيع تستفيد جزئيًا إذا غابت الرقابة الصارمة، فالآلية المرنة تسمح لهم بتمرير أي ارتفاع فورًا للمستهلك بينما قد يتباطأ انعكاس الانخفاض، مما يزيد هامش ربحهم.
والفئات الميسورة، بشكل غير مقصود، تتأثر أقل لأنها تستهلك أكثر وتستطيع امتصاص التكاليف الإضافية، فيبدو أنهم يستفيدون نسبيًا مقارنة بالفئات الأخرى.
أما الخاسر الحقيقي فهو المواطن البسيط، الذي يتحمل أي زيادة في الوقود بشكل مضاعف، لأنها تنعكس على النقل والغذاء والكهرباء.
و العاملون في النقل الصغير، مثل سائقي سيارات الأجرة أو النقل الريفي، يتحملون إما ارتفاع الأسعار أو الخسارة بأنفسهم، مما يزيد هشاشتهم.
والاقتصاد غير المنظم، أي التجارة الصغيرة والحرف والأنشطة اليومية التي تعتمد على الوقود، فيعاني ضغطًا مباشرًا على الربح. بالإضافة إلى ذلك، فقدان الثقة العامة يمثل خسارة غير مادية لكنها خطيرة.
فالمواطن قد لا يرى أي انعكاس عملي لانخفاض السعر العالمي، مما يضعف المصداقية الرسمية.
من الناحية الفنية والرقمية لتسعير الوقود، يمكن تفصيل المراحل كما يلي
يبدأ سعر الشراء من المصفاة أو الشركة التجارية (FOB)، ويضاف عليه عند وصوله الميناء (CIF) حوالي 11% تقريبا ؛ تشمل عمولة الوسيط، ورسوم التمويل والتحويل البنكي، والشحن البحري، والتأمين البحري. بعد تفريغ الوقود وتخزينه في خزانات الميناء،
وتضاف نسبة 3–4.5%، تشمل تكاليف التفريغ والمناولة، التخزين، والفاقد التقني مثل التسرب أو التبخر. من الميناء إلى المضخات،
و تأتي الزيادة الكبرى؛ الضرائب والرسوم وتتراوح بين 15–25%
و من السعر النهائي، النقل الداخلي حسب المسافة يضيف بين 2–10%، أو أكثر قليلا ، وهامش شركات التوزيع بين 3–5%. وبالتالي، الوقود عند المضخة في نواكشوط يزيد حوالي 41% عن سعر الشراء من المصفاة أو الشركة التجارية الوسيطة ، بينما في المدن البعيدة يصل الإجمالي إلى 45–48% أو أكثر بسبب النقل الإضافي.
لهذا السبب، أي انخفاض عالمي في السعر بنسبة 10% قد ينعكس جزئيًا فقط على السعر المحلي ؛ ربما 3–6%)، وغالبًا مع تأخير.
والاستنتاج الموصوعي هو أن هذه الخطوة ليست خفضًا مباشرًا للأسعار، بل آلية ضبط شفافة لدى الممولين الدوليين ، لكنها تحتاج شفافية أكثر ومرونة ورقابة لدى التنفيذ،
المستفيدون الرئيسيون هم الدولة والمانحون الدوليون، بينما المواطن البسيط والفئات الضعيفة سيتحملون عبء أي تقلبات.
أي انخفاض عالمي لن يصل بالكامل إلى المضخات إلا إذا تم ربطه بسياسات حماية اجتماعية واضحة، وهذا ما لم يحدث بعد.
وأي ارتفاع عالمي سيصل بسرعة فائقة إلى المستهلكين عند المضخة .
لذلك، المطلوب ليس مجرد إعلان آلية تسعير تعتمد على التوقعات وتقلبات السوق العالمي ، بل استراتيجية شاملة تربط تحرير الأسعار بالتحكم في التضخم وحماية الفئات الضعيفة، لضمان أن تكون الإصلاحات المالية ذات جدوى فعلية ومستدامة.
ورفع وتيرة التحول الطاقوي الهجين والطاقة النظيفة ، وتسريع آليات استيعابنا لغازنا المحلي ودمجه في دورة إنتاج الطاقة.
فوارداتنا من الطاقة تمثل نسبة 27%تقريبا من حجم استيرادنا الخارجي وهذه نسبة مرتفعة .
وبين تحرير آلية تسعير الدولة للمحروقات ، والضغط لتحرير سعر عملتنا الوطنية يكمن خطر جسيم.
فكلما تدهور سعر صرف عملتنا أمام الدولار والأورو ارتفع سعر المحروقات والورادات الغذائية كثيرا.
وهذا ما يقود إلى قلاقل اقتصادية واجتماعية تؤدي حتما لقلاقل سياسية ، ستنعكس أكثر على التقييم الإئتماني لاقتصادنا ، فيضطر المانحون لتخفيض الدعم والتمويل
وتلك هي الخلقة المفرغة التي تدخل في الدول التي تخضع لشروط البنك الدولي والمانحين وصندوق النقد الدولي
وتضطر للانتقال من مرحلة التفاوض على حلول وسط إلى مرحلة تنفيذ الإملاءات الاقتصادية قسرا أو الحرمان من كل تمويل أو تسهيلات جديدة.
فالحل لا يكمن في تصميم اقتصاد مناسب تقنيا وفنيا للجهات المانحة.
وإنما العمل بخطط رفع إنتاج وتنوع اقتصادي يحفظ لنا ماتبقى من سيادتنا المالية.
ولن يفيد حسن الإخراج الحكومي لمثل هذه القوانين كثيرا ، فالنخبة الوطنية عليها مسؤولية كشف كلما وراء الخطاب الحكومي السياسي الذي يخفي خلفه معطيات اقتصادية مقلقة جدا