التنوع القومي.. وآفاق العيش المشترك في موريتانيا (3) / / الدكتور محمد ولد السالك ولد ابراهيم الأمين التنفيذي المكلف بالشؤون السياسية في حزب الإصلاح


لقد وقعت المجتمعات الإسلامية عموما في مأزق تاريخي عندما خانت «الأمانة»، التي هي مفهوم يتأسس على «النظرية الميثاقية» التي تقوم على «مُواثقة» تمت في عالم الملكوت، وحصلت بين الإنسان وخالقه، وليس بين الإنسان والإنسان، كما في نظريات «العقد الإجتماعي» الكلاسيكية لدى فلاسفة التنوير الغربيين، كما يعتقد ذلك أستاذنا الفاضل الفيلسوف المتصوف البروفسور طه عبد الرحمن، أطال الله بقاءه.

وتنقسم هذه «المواثقة» -التي هي أولا وقبل كل شيء عقد روحاني وليست مجرد عقد اجتماعي- إلى ميثاقين رئيسيين هما: «ميثاق الإشهاد» الذي أقرّ فيه الإنسان بربوبية خالقه لمّا تجلّى له بأسمائه الحسنى؛ و «ميثاق الائتمان» الذي حمَل بموجبه أمانة القيم التي توحي بها تلك الأسماء الحسنى.

بعد هذا المشترك المرجعي بين الناس جميعا، يمكننا أن نمر تباعا إلى المشتركات الثانوية الأخرى الموجودة بين البشر شعوبا وقبائل في كل مكان وزمان. حيث لا بد أن تظهر الحقيقة بين عتبتين دنيا وقصوى. وهو ما يمكن تسميته بمنهج “النسبية الإجتماعية” و”النسبية التاريخية” في دراسة المجتمعات، حيث يصبح التعدد والإختلاف غنى ونعمة.. والإنسجام والوحدة مكسبا وقوة.. وحيث لا تذوب الهويات الثقافية في الأمميات الشعوبية المائعة، ولا تغرق في الخصوصيات المحلية الضيقة، بشكل يشل صيرورة مجتمعنا التاريخية، ويجعله يتوقف عن الإغتناء والتفاعل الحضاري عبر إرادة واعية لتحقيق وتطوير العيش المشترك.. الذي هو سنة الحياة التي أراد الله تبارك وتعالى أن تكون كذلك.. وهو الناموس الذي سارت عليه الأمم والشعوب في تشكلها وتطورها التاريخيين..

في بلادنا كما في أي دولة تعيش تنوعا قوميا وثقافيا، لا بد إذن، من مقاربة مرنة لموضوع الهويات المحلية والهوية الوطنية الجامعة، تلتمس أحسن المخارج، دون أن تتجاهل أسباب العثرات والكبوات والمآسي.. وتبحث في تاريخنا عن مستندات تبرهن على قوة الرغبة في العيش المشترك، وعلى الجذور المشتركة البعيدة والقريبة التي تأسس عليها التنوع والتعدد الثقافي والقومي في بلادنا ومحيطها الجغرافي والبشري..

ولا بد من التساؤل كيف أغرت هذه الصحراء الساحرة -على مر العصور- أمما وشعوبا في غاية الإختلاف.. بالهجرة إليها.. فكانت تحتضنهم.. وتؤويهم.. وتحميهم.. وتسهل التعارف والتبادل والتمازج فيما بينهم، لتصهرهم من جديد.. وتوحدهم ضمن فضاءات شاسعة.. وعبر الزمن.. من خلال ديناميكية التدافع، والتعاون، والتفاعل الثقافي والحضاري.. فيتركون وراءهم آثارا، وشواهد ومحكيات، ظلت شذرات منها باقية.. رغم عوادي الزمن.. توثق أساليب حياتهم، وطرق معيشتهم.. وتداول معارفهم..

ولا بد أن تبرز هذه المقاربة النماذج الجيدة للتعايش وحسن التآخي، من خلال الدراسة الميدانية لتاريخ وسوسيولوجيا المعايشة، والمجاورة، والمساكنة، والمعاشرة والمصاهرة والزواج القرابي.. وأن تشيد بالمآثر الجيدة والأفعال الحميدة.. وتحاول إلهام شبابنا اليوم، وكذا أجيال المستقبل، بإعطائهم القدوة المثلى، لتخلق منهم أبطالا معاصرين، ضاربة أقدامهم في الأصالة، لكنهم متحررون ويعيشون بدون عقد.. بارعين في علوم ومعارف عصرهم، ومؤهلين بحكم امتلاكهم لغات التواصل العالمي والقدرة على بناء وتطوير العلاقات مع الآخرين في هذا العالم المعولم.. ويتمتعون في ذات الوقت بأخلاق عالية، ويؤمنون بمبادئ ومثل راسخة، يعملون على تجسيدها بالعمل والمثابرة.. وينشدون الخير.. والعدل والإنصاف.. والسلام لكل أبناء وطنهم، بل ولصالح البشرية جمعاء.