■ في سبيل الإصلاح (2) [حول النظام التعليمي المناسب لبلادنا]

لقد أتيحت لي، في مناسبات متكررة، فرصة المساهمة في النقاش العام البناء حول مسألة النظام التعليمي المناسب لبلادنا، وقد مثل المقال الذي كتبته في نوفمبر 2021 بعنوان “تقرير مشاورات إصلاح النظام التعليمي – خلاصة وتعليقات” (الرابط أسفله) عصارة تلك المساهمات.

وفيما يلي مقتطفات من أهم الأفكار والمقترحات التي وردت فيه:

* يوضح التقرير أن خيار المدرسة الجمهورية الذي وعد به الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في برنامجه الانتخابي يفرض ترتيبات جديدة تتيح توحيدا مستداما للنظام التربوي الوطني على قواعد صلبة حول مدرسة جامعة تمثل بوتقة موحّدة يجد فيها كل الموريتانيين ذواتهم، على تنوعهم الثقافي. وأن هذه المدرسة تهدف إلى أن تضمن للطفل الموريتاني تعليما متعدد اللغات يعزز التجذّر الثقافي، والوحدة الوطنية، والانفتاح على الثقافات والحضارات الكونية. وأن الهدف الأسمى في كل ذلك هو تربية الأجيال الصاعدة على الروح الوطنية، وترسيخ الوعي لديها بالهوية الوطنية، والشعور بالانتماء إلى ثقافة غنية ذات أبعاد وطنية، وإسلامية، وعربية، وإفريقية، وعالمية.

* وبخصوص التعليم ما قبل المدرسي، أرى أن فكرة الكتاتيب العصرية في السنغال، المسماة Daara moderne، التي جسدها مشروع من تمويل البنك الإسلامي للتنمية، تعتبر تجربة رائدة، أوصي بالاستفادة منها، إذ يمكنها أن تفيدنا كثيرا في موريتانيا في تصميم كتاتيب عصرية تنطلق علميا من خصوصية تجذر التعليم المحظري في أريافنا، وتوفر عمليا فرصة لتعليم ابتدائي مواز للتعليم النظامي، وجسرا للعبور إليه، بكلفة أقل، خاصة في ظل مشكل التقري العشوائي الذي جعل كثيرا من القرى والتجمعات لا يستجيب لمعايير الخارطة المدرسية.

* وبخصوص التعليم الأساسي (الابتدائي) أرى من المفيد الاستفادة من تجارب دول ذات واقع لغوي شبيه مثل: المغرب والسنغال ومالي وغينيا، التي لا تزال إجمالا في طور تجربة وترسيخ خيار التدريس باللغات الوطنية في التعليم ما قبل المدرسي وفي التعليم الأساسي وتقييم ذلك الخيار وتحسينه. وتبدو لي ملهمة بشكل خاص التجربة السنغالية الحالية المتعلقة بإدخال اللغات الوطنية (الولفية، البولارية، لغة السيرير) إلى التعليم الأساسي، خاصة الجهود المبذولة بالتعاون مع منظمةARED ، ولها تقارير منشورة حول ما تم القيام به لتذليل الصعوبات ذات الصلة وما أثبتته في النهاية من جدوى تدريس الأطفال بلغة الأم. كما تبدو لي مفيدة كذلك دراسة التجربة الغينية التي كانت -على غرار التجربة الموريتانية- سباقة إلى قرار التدريس باللغات الوطنية قبل أن تتوقف التجربتان منتصف الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي بسبب صعوبات ينبغي تحليلها واستخلاص الدروس والعبر منها لتسهيل القرار الجديد حول الانطلاقة الجديدة للتدريس بكل اللغات الوطنية في بلادنا.

* وبالنسبة للتعليم الإعدادي ثم الثانوي بعده، رأيت أن اعتماد اللغة العربية لغة تدريس في الإعدادية، للمواد العلمية والأدبية معا، سيكون بالغ الأهمية. وهو ما تتبناه تونس، وأعتبره خيارا ملهما لبلادنا في الأمد القريب والمتوسط، أي طالما ظلت لغة التدريس في التخصصات العلمية (بمعنى العلوم التجريبية من رياضيات وفيزياء وهندسة وتقنيات… إلخ) في المؤسسات الجامعية لدينا لا تتاح إلا باللغة الفرنسية، وما دام استخدام اللغة الفرنسية في الإدارة مهيمنا. الخيار التونسي، الذي أشرت إليه، يتمثل في الجمع بين اعتماد اللغة العربية لغة تدريس لكل المواد العلمية والأدبية في المرحلة الإعدادية، وبين اعتماد الفرنسية لتدريس المواد العلمية في المرحلة الثانوية، المعدة للدراسة الجامعية، مع استمرار تدريس المواد الأدبية في الثانوية باللغة العربية لمزيد من الرسوخ فيها. وهذا الخيار التونسي يقابله في جوارنا الإقليمي خيار آخر كان سائدا في الجزائر والمغرب معا، حتى وقت قريب، وهو تدريس كل المواد في المرحلتين الإعدادية والثانوية باللغة العربية، وقد واجه هذا الخيار في كلتا الدولتين مشكلات في الانسجام مع كون الدراسات الجامعية للتخصصات العلمية فيهما باللغة الفرنسية. وعلى إثر ذلك، قرر المغرب منذ سنة 2019 فتح خيار جديد باسم المسار الدولي لتدريس المواد العلمية، في الإعدادية والثانوية معا، باللغة الفرنسية، وتسعى الجزائر إلى تحقيق الانسجام المنشود من خلال انفتاح أعمق على اللغة الإنكليزية كلغة علوم عصرية.

* وتعليقا على ما خلص إليه التقرير من أن التعليم الثانوي في ثوبه الجديد المقترح سيضم مسلكين : (أ) مسلكا عاما، و(ب) مسلكا فنيا مهنيا. وأن كل مسلك سيقسم إلى أقطاب تتضمن شعبا، تندرج تحتها خيارات؛ رأيت أن تقسيم الشعب إلى مزيد من الخيارات سيضفي تعقيدا على المشهد التعليمي، في المنظور القريب على الأقل، وربما يواجه تحديات عملية من حيث قدرة الإدارة على وضع آليات توجيه فعالة ومنصفة في نهاية الإعدادية، ومن حيث نقص الوعي المتوقع لدى معظم التلاميذ وذويهم حول الخيارات المناسبة لهم، اللهم إلا إذا كانت لتقسيم الشعب إلى خيارات إيجابيات فورية منتظرة لصالح كفاءة التعليم الجامعي اللاحق. وما زلت أعتقد أن نظاما مبسطا من ثلاثة اتجاهات: علمي، وأدبي إنساني، وفني مهني، أقل كلفة ويفي بالمقصود.

وقد استعرضت في خلاصة المقال المذكور بعض العناوين المعبرة في التقرير، وعلقت عليها. منها :
– استحضار كون المدرس هو محور العملية التعليمية، وتثمين دوره ومكانة مهنته، والسعي إلى تأهيله العالي وتحفيزه الجيد بوصف ذلك ضمانة لنجاعة العمل المدرسي.
– الحرص على تطوير الأنشطة التي تهدف إلى امتثال تعاليم ديننا الحنيف. وتحضرني في ذلك أهمية إعطاء أولوية خاصة لمادة التربية الإسلامية في المرحلة الإعدادية، التي توافق غالبا سن البلوغ لدى الأطفال بحيث تتعهد المدرسة الجمهورية تحصيلهم في العلوم الشرعية وتعمل على استكمال نواقصهم في فروض العين اليومية.
– استحضار كون العمل التربوي يجب أن يبرز ما يدعو إليه ديننا الحنيف من الاعتدال والتسامح والانفتاح المنضبط على الآخرين؛
– إقامة عرض تعليمي غير مصنف لاستقبال الأطفال الذين هجروا الدراسة مبكرا وأولئك الذين لم يلتحقوا بالمدرسة في الوقت المناسب، وذلك لمنحهم فرصة ثانية للحصول على تعليم أساسي يمكّنهم إما من مواصلة الدراسة في التعليم النظامي أو الالتحاق بالتكوين الفني والمهني أو الاندماج في الحياة النشطة. وهذا المقترح، في نظري، أمر بالغ الأهمية الاستراتيجية، خاصة في ظل التدني النسبي لمستويات النجاح في امتحاني شهادتي الإعدادية والثانوية.
– تخفيف محتويات البرامج الدراسية وتشذيبها، لحذف ما هو غير ضروري لتكوين التلميذ، وتخصيص أكثر الوقت للتكوين على التفكير النقدي، وعلى قدرات التحليل والاستدلال، وعلى استيعاب المنهج العلمي. ويحضرني من أمثلة ذلك مادة الفلسفة التي كانت مقررة في شعبة الرياضيات، حيث لا تنسجم مع تلك الشعبة وليست مبرمجة في امتحانات الباكلوريا.
– السهر على بناء ثانوية واحدة على الأقل، كاملة البنية، في عاصمة كل مقاطعة، على أن تزوّد بقسم داخلي للتلاميذ الوافدين من مناطق أخرى وبسكن للمدرسين. وتؤكد أهمية ذلك عندي التجارب السابقة والحالية لأثر الأقسام الداخلية على تركيز التلاميذ في دراستهم، وعلى رفع مستوى استغلالهم للأوقات خارج الفصل.
– استحضار كون التعليم المحظري مصدر فخرنا واعتزازنا، فالمحظرة تشكل نظامنا التربوي العريق الذي جعل من بلادنا مهدا للعلم والمعرفة عدة قرون قبل استقرار المستعمر في بلاد شنقيط خلال القرن الماضي. وقد تضمن التقرير اقتراحات عملية متقدمة للاعتداد بما يقدمه التعليم الأصلي من إسهام في التعليم القاعدي للجميع، ولإقامة جسور تمكن المتعلمين في المحظرة من ولوج مختلف أطوار التعليم النظامي، ولتكريس التكامل بين التعليم الأصلي والتعليم النظامي بصفة عامة.

رابط المقال السابق كاملا (تقرير مشاورات إصلاح النظام التعليمي – خلاصة وتعليقات):
https://www.facebook.com/share/p/1BLckbgLnG/

رابط المقدمة العامة لهذه السلسلة: في سبيل الإصلاح (1):
https://www.facebook.com/share/p/1BahAcxegq/