كتب الأستاذ سيدي محمد ولد التهامي

تابعت باهتمام المقابلة التي أجراها رئيس حزب الإصلاح الاستاذ: محمد ولد طالبن والتي تميزت في تقديري بقدر كبير من العمق والاتساق في البناء الفكري فضلا عن وضوح الرؤية وحسن ترتيب الأفكار وتدرجها المنطقي.
ولعل اول ما استوقفني في هذه المقابلة تلك التوطئة التاريخية والثقافة التي استهل بها حديثه،حيث استحضر خصوصية هذا الفضاء الصحراوي وما احتضنه عبر القرون من تشكلات سياسية وشعوب وتجمعات إنسانية عاشت في انسجام وتعايش مشترك، تربط بينها منظومة من القيم والثقافة، وظلت قادرة علي تجاوز قسوة الطبيعة وصعوبة المجال بفضل ما راكمته من أعراف التضامن والتكامل والتفاهم المتبادل وهي مقاربة تستحق التقدير لماحملته من قراءة هادئة للجذور التاريخية للمجتمع ألموريتاني.
كما أجد من الضروري التنويه بما قدمه من تصور لدور الاحزاب السياسية بوصفها مؤسسات للتأطير والتعبير عن المصالح المجتمعية وصناعة البدائل لا مجرد أدوات للمناسبات الانتخابية او التموقع السياسي او تقديم خدمات اجتماعية والتي ظلت الي وقت قريب من وظائف المجتمع المدني.
فمثل هذا الفهم يعكس ادراكا لأهمية الوظيفة المدنية والتربوية للاحزاب السياسية في بناء الديمقراطية وترسيخ ثقافة المشاركة.
ومن الجوانب التي تستحق الإشادة كذلك تشخيصه للقضايا الخلافية التي تشغل النقاش العمومي، وتقديمه تصورات وحلولا نابعة من مرجعية الحزب ورؤيته السياسية. سواء من اتفق معها او اختلف معها مع بعض تلك المقاربات فإن أهمية الطرح يكمن في فتح المجال أمام نقاش مسؤول حول القضايا الوطنية الاكبري . بعيدا عن التبسيط او المزايدات
كما اقدر اشادته المتميزة بالدور التاريخي الذي قامت به مجموعة العرب السمر في بناء هذا الوطن واثراء مساره الحضاري. فذلك اسهام ظل في كثير من الأحيان أقل حضورا في الذاكرة الوطنية مما يستحقه من تثمين وانصاف رغم ما قدمه من جهود في مختلف المراحل.
ولم يخل حديثه من إشارات ذات دلالة عميقة الي واقع البلد ومساره التاريخي حين أكد ان المجتمع الموريتاني لم يكن في ماضيه ولا في ماحل نشأته اللاحقة،فضاء للصراعات الوجودية بين مكوناته وان مايجمع أبناءه كان دائما اكثر مما فرق بينهم .
وهي رسالة بالغة الاهمية في ظرف يحتاج فيه الخطاب العام الي استحضار المشتركات الوطنية لتعزيز اللحمة الوطنية وتعزيز الثقة المتبادلة بين جميع مكونات المجتمع.
لقد بدت المقابلة في مجملها قوية في مضمونها، واثقة من طرحها ومتزنة في طرح أفكارها تجمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي. ويبدو انها تندرج ضمن سلسلة من الخرجات الإعلامية التي دأب عليها الحزب. والتي اتسمت- في الغالب- بالصراحة البناء والحرص علي مقاربة القضايا الوطنية بروح مسؤولة،