بين أمانة الاستخلاف وأنانية المصالح: من يحمل همّ الإصلاح إذا مارسنا السياسة من أجل أنفسنا؟الدكتور آبيه خطري آبيه،

 

دعونا نطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نمارس السياسة إيماناً منا بحقنا في المشاركة بإدارة شؤون وطننا، أم أننا في الحقيقة نبحث عن نصيب من المناصب والامتيازات؟ وهل نحن دعاة إصلاح بحق، أم أننا ننتظر فقط أن تُتاح لنا الفرصة لنصبح جزءاً من الواقع الذي ننتقده؟
بل لنكن أكثر صراحة: هل نحارب الفساد لأننا نرفضه من حيث المبدأ، أم لأننا لم نجد بعد نصيبنا منه؟ وهل نرفض الجهوية والقبلية والمحسوبية إيماناً بأنها تهدد فكرة الدولة والمواطنة، أم لأننا لم نكن يوماً في موقع المستفيد منها؟ فإذا كانت مصالحنا الشخصية هي من يحدد مواقفنا السياسية، فما الذي يميزنا إذن عن أولئك الذين ندّعي أننا نسعى لتغيير ممارساتهم؟
وهنا تبرز إشكالية حقيقية؛ كيف يمكن لشاب يرفع شعار الإصلاح والتغيير أن يحمل مشروعاً وطنياً يتجاوز واقع الانقسام والجهوية والقبلية، بينما لا تزال حساباته السياسية أسيرة المصالح الضيقة؟ وإذا كان شباب اليوم يمارسون السياسة لتحقيق مكاسبهم الشخصية، فمن الذي سيحمل همّ الإصلاح؟ ومن الذي سيضع المصلحة العامة فوق حساباته الخاصة؟
إن دخول المجال السياسي يضعنا أمام مسؤولية جسيمة. فهل ننظر إلى السياسة على أنها تكليف أخلاقي ومسؤولية وطنية، أم أنها مجرد فرصة للوصول إلى مواقع النفوذ وتحقيق المصالح؟
هذه ليست مجرد تساؤلات عابرة، بل تمس جوهر الممارسة السياسية، وصدق إيماننا بالوطن الذي ندعي رغبتنا في خدمته. فالمشكلة ليست في أن نطمح إلى مواقع المسؤولية، وإنما في أن تصبح هذه المواقع غايتنا الوحيدة، ويتحول الوطن من قضية نعمل من أجلها إلى وسيلة نبحث من خلالها عن مصالحنا.
ببساطة، السياسة ليست مجرد ممارسة حزبية، ولا سباقاً نحو المناصب، ولا وسيلة للبحث عن وظيفة أو تحقيق مكاسب شخصية؛ إنها قبل كل شيء مسؤولية أخلاقية ووطنية، ومشاركة في إدارة شؤون الناس وصناعة مستقبل الأوطان. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل ممارسة سياسية ليس: “ماذا سأحصل من السياسة؟”، وإنما: “ماذا أريد أن أقدم لوطني من خلالها؟”.
نحن أمام فارق جوهري بين من يدخل العمل السياسي باعتباره تكليفاً ومسؤولية، ومن يدخله باعتباره فرصة لتحقيق مصالحه الخاصة. هناك من يرى في السياسة مجالاً لخدمة المجتمع والمشاركة في صناعة القرار والدفاع عن المصلحة العامة، وهناك من لا يرى فيها إلا سلّماً للصعود الشخصي، ومجالاً للحصول على الامتيازات، ووسيلة لتأمين موقعه داخل موازين النفوذ.
وهذا الاختلاف لا يتوقف عند النوايا المعلنة، بل ينعكس على طبيعة الممارسة ذاتها. فمن يجعل المصلحة الشخصية غايته قد تتغير مواقفه بتغير الفرص والمكاسب، وقد يصبح انتماؤه مرتبطاً بما يحصل عليه لا بما يؤمن به. أما من ينظر إلى السياسة باعتبارها مسؤولية وطنية، فإنه يدرك أن قيمة المشاركة لا تُقاس بما تحققه له وحده، وإنما بما تضيفه إلى حياة المواطنين، وما تسهم به في بناء المؤسسات وتعزيز الاستقرار.
ومنظوراً دينياً وأخلاقياً، ترتكز المسؤولية العامة على معانٍ أصيلة في مقدمتها الأمانة والعدل والشورى وحفظ حقوق الناس. يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
وهذه القيم لا ينبغي أن تتحول إلى شعارات تُرفع عند الحاجة، بل يجب أن تكون ضوابط تحكم سلوك من يتولى الشأن العام، وتوجه علاقته بالناس وبالمال العام.
ولعل أعمق ما ينبغي استحضاره في هذا السياق هو مفهوم الأمانة في التصور القرآني. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72].
إن هذه الآية تضعنا أمام عظمة مفهوم الأمانة وثقل المسؤولية التي حملها الإنسان. فالأمانة ليست مجرد التزام فردي في العبادة أو المعاملات، بل تمتد إلى كل مسؤولية يتحملها الإنسان تجاه غيره، ومن ذلك مسؤولية المشاركة في الشأن العام، وحفظ الحقوق، والعدل بين الناس، وعدم استغلال المواقع والنفوذ لتحقيق المصالح الخاصة.
فإذا كانت الأمانة بهذا القدر من العظمة، فكيف يمكن أن نتصور ممارسة سياسية منفصلة عن الضمير الأخلاقي؟ وكيف نطلب ثقة الناس ونحن لا نرى في مواقع المسؤولية إلا فرصاً لتحقيق مكاسبنا؟ إن من يتطلع إلى تحمل مسؤولية عامة عليه أن يدرك أن المنصب ليس ملكاً شخصياً، وأن السلطة ليست امتيازاً مطلقاً، وإنما أمانة تترتب عليها حقوق وواجبات ومحاسبة.
ومن هنا، فإن الإيمان بالوطن ليس مجرد عاطفة نعبّر عنها في المناسبات، ولا شعاراً نرفعه في الخطب السياسية؛ إنه قناعة راسخة بأن لهذا الوطن حقاً علينا، وأن مستقبلنا مرتبط بمستقبله، وأن إدارة شؤونه ليست مسؤولية الآخرين وحدهم.
نحن نمارس السياسة لأننا نؤمن بحقنا وواجبنا في المشاركة في إدارة بلادنا، ولأننا نريد أن نكون جزءاً من صناعة القرار، وأن نقدم أفكاراً ورؤى تسهم في تحسين واقع المجتمع. نمارسها لأننا نؤمن بأن الوطن يتسع لجميع أبنائه، وأن المواطنة ينبغي أن تكون أساس الحقوق والواجبات، لا الانتماء القبلي أو الجهوي أو القدرة على الوصول إلى أصحاب النفوذ.
وطبعاً، لا يعني ذلك أن الطموح إلى المناصب أو المواقع السياسية أمر مذموم في ذاته؛ فالمسؤولية تحتاج إلى كفاءات، والعمل السياسي يحتاج إلى قيادات، ومن حق الشباب أن يطمحوا إلى المشاركة في مواقع القرار. لكن الفارق الجوهري يبقى: هل نطلب الموقع لنخدم من خلاله، أم نبحث عن المنافع لأنفسنا من خلال الموقع؟
إننا بحاجة إلى مراجعة حقيقية لمفهوم الممارسة السياسية، لا سيما لدى الشباب الذين يُفترض أن يحملوا مشروع الإصلاح والتجديد. فالشباب لا يصبحون قوة تغيير لمجرد أنهم شباب، ولا تمنحهم السن وحدها الحق في ادعاء الإصلاح؛ بل إن قيمة أي جيل تُقاس بما يحمله من أفكار، وما يقدمه من ممارسات، ومدى قدرته على تجاوز الأخطاء التي ينتقدها.
فالتغيير الحقيقي لا يبدأ بتغيير الأشخاص في المواقع، وإنما بتغيير العقلية التي تدير تلك المواقع. ولا يمكن أن نبني دولة المواطنة بعقلية قبلية، ولا أن نحارب المحسوبية بممارسة المحسوبية، ولا أن نطالب بالعدالة ونحن نبحث عن استثناءات لأنفسنا، ولا أن ندّعي محاربة الفساد بينما ننتظر فرصتنا لنكون جزءاً من منظومته.
إن الوطن لا يحتاج إلى جيل جديد في أعمار أفراده فقط، بل يحتاج إلى جيل جديد في طريقة تفكيره، وفي نظرته إلى السلطة والمسؤولية والمواطنة. جيل يستطيع أن يختلف سياسياً دون أن يتحول اختلافه إلى عداوة وطنية، وأن ينتمي حزبياً دون أن يجعل انتماءه بديلاً عن انتمائه للوطن، وأن يطمح إلى المسؤولية دون أن يختزلها في الامتيازات.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يواجه به كل واحد منا نفسه قبل أن يتحدث عن الإصلاح أو يتصدر المشهد السياسي:
هل نريد تغيير واقع الوطن، أم نريد فقط تغيير مواقعنا داخله؟ هل نحارب الفساد لأننا نؤمن بأنه خطأ، أم لأننا لم نحصل بعد على نصيب منه؟ وهل نمارس السياسة حباً في المشاركة في إدارة بلادنا، أم طمعاً في أن تمنحنا بلادنا ما نبحث عنه لأنفسنا؟
إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين السياسة باعتبارها أمانة، والسياسة باعتبارها مصلحة؛ بين من يحمل همّ الوطن، ومن ينتظر أن يحمل الوطن همّه.
فإذا لم يكن فينا من يحمل همّ الإصلاح، وإذا تحولت السياسة لدى شبابنا إلى سباق على المصالح والمواقع، فمن سيحمل الأمانة؟ ومن سيصنع الفرق؟
إن الوطن لا يحتاج منا أن نبحث عن نصيبنا من مصالحه، بقدر ما يحتاج إلى أن نكون جديرين بحمل نصيبنا من مسؤوليته.