رد على العريضة المطالبة بالنص في الدستور على جعل لحراطين مكونة/الاستاذ احمد فال بركه،

إن المطالب المطروحة في تلك العريضة، رغم وجاهة بعضها؛ بأن شريحة لحراطين؛ عرفت تاريخيا؛ معاناة حقيقية، فإن ما ذهبت إليه العريضة من تشخيص وعلاج؛ قد يُفاقمان مشكلة لحراطين أكثر؛ إذا لم يُتم النظر بعين نقدية لتلك الاطروحات؛
لأن موريتانيا بحاجة إلى مشروع وطني يجمع، لا إلى خطابات تفرق وتُذكي النعرات، مهما كانت مبرراتها التاريخية.
و يمكن الرد على العريضة من النواحي التالية:
أولاً: حول “الاعتراف الدستوري” كحل جذري.
· الأطروحة: المطالبة بتعديل الدستور للاعتراف صراحة بشريحة الحراطين.
· التفنيد:
الدستور الموريتاني الحالي، في مادته الأولى، يكرس مبدأ المساواة بين جميع المواطنين، ويحظر كل أشكال التمييز. إضافة اعتراف خاص بشريحة بعينها قد يُفهم، في سياق سياسي هش، كخطوة نحو “طائفية” النص الدستوري، مما يفتح الباب أمام مطالب مماثلة من مكونات أخرى، ويُضعف مبدأ المواطنة الجامعة الذي هو الأساس المتين لوحدة البلاد. فالمشكلة ليست في غياب النص، بل في تفعيل آليات تطبيقه على أرض الواقع.
ثانياً: حول “سياسات التمييز الإيجابي” كآلية للتعويض.
· الأطروحة: الدعوة إلى سياسات تمييز إيجابي في التوظيف والمناصب الانتخابية والتعليم.
· التفنيد: سياسات التمييز الإيجابي، وإن كانت تهدف إلى تصحيح الخلل التاريخي، إلا أنها تظل أدوات مؤقتة واستثنائية تصلح في سياقات مجتمعية مدروسة.
تطبيقها في موريتانيا دون ضوابط راسخة ومعايير واضحة للاستهداف الجغرافي والاقتصادي (لا العرقي) يُخاطر بتحويلها إلى وسيلة لـ”توزيع المغانم” بين النخب، بدلاً من أن تكون أداة للتنمية الشاملة. الأجدى هو التركيز على برامج تنموية تستهدف المناطق الأكثر فقراً وتهميشاً، بغض النظر عن الانتماء العرقي لسكانها، وهو ما يحقق العدالة دون تعميق الانقسامات. المسألة الأساسية هي معالجة الفقر والحرمان، وهما ظاهرتان تطالان فئات من جميع المكونات .
ثالثاً: حول “التهميش الممنهج” وخطاب الضحية.
· الأطروحة: وصف وضع الحراطين بأنه تهميش وإقصاء ممنهج ومستمر.
· التفنيد: لا يُنكر التاريخ أو الواقع وجود فوارق اجتماعية واقتصادية كبيرة، لكن الخطاب الذي يُعمم مفهوم “التهميش الممنهج” على كل أبناء هذه الشريحة، ويُحصرهم في موقع الضحية الأبدية، هو خطابٌ اختزالي. إنه يتجاهل الديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة، ويتغاضى عن وجود حراطين في مناصب قيادية عليا، وفي سلك القضاء، وفي الإدارة، بل وأحزاب سياسية. التركيز المفرط على خطاب الضحية يُعيق، في كثير من الأحيان، طرح الحلول العملية القائمة على الكفاءة والجدارة، ويُكرس نفسية العزلة والاستكانة التي يُفترض محاربتها. التجربة التاريخية تُظهر أن هذه السياسات غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، وتُعمق الشعور بالانقسام بدلاً من بناء مجتمع متسامح قائم على الكفاءة والجدارة .
رابعاً: حول “وحدة النسيج الوطني” والمسؤولية التاريخية.
· الأطروحة: ربط مطالب الحراطين بتهديد الوحدة الوطنية والحاجة إلى استرضائهم.
· التفنيد: الوحدة الوطنية ليست رهناً باسترضاء شريحة على حساب أخرى، بل هي نتاج بناء دولة القانون والمؤسسات التي تضمن الحقوق والواجبات للجميع دون تمييز. تحميل شريحة الحراطين وحدها عبء الماضي التاريخي، أو تقديمها كـ”كعب أخيل” للوحدة الوطنية، هو في حد ذاته خطاب تمييزي. إن الحل الحقيقي يكمن في تجاوز منطق “المنة” و”الاسترضاء” نحو منطق المواطنة المتساوية، حيث الحقوق والواجبات هي أساس العلاقة بين الفرد والدولة، لا بين المجموعات العرقية.
في الخلاصة:
لمعالجة الإختلالات التنموية في موريتانيا والتهميش الذي تعاني منه بعض شرائحها؛ ينبغي العمل على:
1. سياسات تنموية شاملة: تستهدف الفقر والحرمان أينما كانا، دون ربطهما عرقياً.
2. تعزيز مؤسسات الدولة: كالقضاء ومختلف مؤسساتالدولة، لتكون قادرة على إنصاف المظلومين دون حاجة إلى “تمييز إيجابي” قد يُفسر على أنه محاباة.
3. خطاب وطني جامع: يُركز على المستقبل والمواطنة، لا على جروح الماضي وتقسيمات الحاضر.