أي وطن نريد؟ حين يصبح السؤال أكبر من الخطاب/حمادي سيدي محمد آباتي

ليس سؤال «أي وطن نريد؟» سؤالًا عابرًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى مجرد عبارة براقة تُضاف إلى قاموس الخطاب السياسي. إنه سؤال يتجاوز المناسبة، ويتجاوز الأشخاص، بل يتجاوز حتى المرحلة السياسية الراهنة؛ لأنه يعيدنا إلى أصل المسألة: أي دولة نريد أن نبني؟ وبأي قواعد؟ ولصالح من؟

لقد طُرح السؤال من أطار، في لحظة سياسية يفترض أن تكون مناسبة للتأمل في مسار الدولة والمجتمع، وفي ما تحقق وما لم يتحقق. غير أن قيمة السؤال لا تُقاس ببلاغة صياغته، وإنما بمدى استعدادنا للذهاب إلى الإجابات الصعبة التي تترتب عليه.

فليس من الصعب أن نقول إننا نريد وطنًا آمنًا، موحدًا، مستقرًا، تسوده العدالة والمساواة، وتعمل فيه المؤسسات بكفاءة. هذه كلها أهداف يتفق عليها الجميع تقريبًا.

لكن الصعوبة تبدأ عندما نسأل: ما الذي يحول دون ذلك؟

وهنا ينبغي أن نخرج من لغة المجاملات السياسية إلى لغة النقد الصريح.

لقد ظلت موريتانيا، منذ قيام الدولة الحديثة، تحمل تناقضًا عميقًا بين مشروع الدولة الجمهورية الحديثة وبين استمرار أنماط اجتماعية وسياسية تقليدية قادرة على التأثير في توزيع النفوذ والفرص. ولا يمكن بناء دولة المواطنة الحديثة بمجرد إعلان الرغبة فيها، بينما تبقى بعض شبكات النفوذ أقوى من المؤسسات، وتظل بعض الاعتبارات غير القانونية مؤثرة في الوصول إلى المواقع والموارد.

الدولة الحديثة لا تُبنى بالعلاقات الشخصية، ولا بالولاء للأفراد، ولا بتوارث النفوذ.

الدولة تُبنى بالقانون.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: أي وطن نريد؟ وإنما أيضًا: أي قواعد نريد أن تحكم هذا الوطن؟

نريد دولة لا يكون فيها اسم العائلة جواز مرور، ولا القرب من صاحب القرار شرطًا للنجاح، ولا الانتماء الاجتماعي بديلاً عن الكفاءة، ولا الولاء السياسي وسيلة لتعويض العجز الإداري.

نريد دولة يعرف فيها المواطن أن حقه لا يحتاج إلى وسيط، وأن الوظيفة لا تحتاج إلى شفاعة، وأن الترقية لا تحتاج إلى حماية، وأن المال العام ليس غنيمة تتداولها شبكات المصالح.

لا دولة قوية مع فساد قابل للتدوير

من أكبر التحديات التي تواجه بناء الدولة أن يتحول الفشل الإداري أو السياسي إلى مرحلة مؤقتة يعقبها تدوير في موقع آخر، وكأن المشكلة في المكان لا في الأداء.

محاربة الفساد لا تعني فقط متابعة بعض الملفات وإصدار بعض الأحكام، وإنما تعني قبل ذلك بناء منظومة تمنع إنتاج الفساد وإعادة إنتاجه.

فالرسالة الأقوى التي يمكن أن توجهها الدولة هي أن المسؤولية تكليف وليست امتيازًا، وأن المنصب العام ليس ملكية شخصية، وأن من يفشل في إدارة مؤسسة لا ينبغي أن يكون انتقاله إلى مؤسسة أخرى هو الحل التلقائي.

نحتاج إلى معيار بسيط وواضح:

الكفاءة قبل الولاء، والنزاهة قبل النفوذ، والنتيجة قبل العلاقات.

وجيش الجمهورية يجب أن يكون فوق الولاءات

ومن أكثر الملفات حساسية ملف المؤسسة العسكرية.

فالجيش ليس مؤسسة اجتماعية ولا إطارًا لتمثيل المجموعات، وإنما هو مؤسسة جمهورية وطنية، مهمتها حماية الدستور والدولة والشعب.

ومن ثم فإن بناء جيش جمهوري حديث يقتضي أن تكون معايير الولوج والترقية وتولي المسؤوليات قائمة على الكفاءة والاستحقاق والانضباط، وأن تكون المؤسسة فوق الأشخاص والأسر والمجموعات.

ولا ينبغي أن تتحول النقاشات حول تاريخ الجيش إلى مجال للروايات غير الموثقة أو تصفية الحسابات السياسية. إن تاريخ المؤسسة العسكرية الموريتانية يحتاج إلى قراءة جادة تعتمد الوثائق والشهادات الموثوقة، وتفصل بين الوقائع المثبتة وبين الروايات المتداولة.

لكن المبدأ الذي لا يحتاج إلى كثير من الجدل هو أن الجمهورية لا يمكن أن يكون لها جيش إلا إذا كان الجيش جمهوريًا في بنيته وثقافته ومعايير عمله.

نريد اقتصادًا ينتج لا اقتصادًا يعيش على الريع

ولا يمكن أن نتحدث عن الوطن الذي نريده دون أن نتحدث عن اقتصادنا.

موريتانيا بلد غني بالموارد، لكن امتلاك الموارد ليس هو نفسه امتلاك اقتصاد قوي.

الاقتصاد القوي هو الذي يحول الثروة إلى إنتاج، والإنتاج إلى فرص عمل، وفرص العمل إلى طبقة وسطى واسعة، والموارد إلى تنمية مستدامة.

نريد أن ننتقل من اقتصاد ينتظر المشاريع والإنفاق العمومي إلى اقتصاد ينتج ويصدر ويخلق فرص العمل.

نريد زراعة حديثة، وثروة حيوانية أكثر إنتاجية، وصيدًا ذا قيمة مضافة، وصناعة تحويلية، واستثمارًا حقيقيًا، ومؤسسات صغيرة ومتوسطة قادرة على خلق الوظائف.

فالثروة التي لا تتحول إلى إنتاج لا تبني دولة قوية، وإنما قد تتحول إلى مصدر جديد للصراع على الريع.

والتعليم هو المعركة التي لا يجوز تأجيلها

أما التعليم، فهو الاختبار الحقيقي لأي مشروع وطني.

لا يمكن أن نبني دولة حديثة بمدرسة ضعيفة، ولا اقتصادًا منتجًا بخريجين لا يجدون في السوق ما يتناسب مع تكوينهم، ولا إدارة فعالة بمنظومة تعليمية لا تضع الكفاءة في مقدمة أهدافها.

نريد تعليمًا يعطي أبناء الفقراء والأغنياء الفرصة نفسها.

نريد مدرسة لا يكون فيها التفوق امتيازًا اجتماعيًا.

نريد تكوينًا مهنيًا وتقنيًا يستجيب لحاجات الاقتصاد، وجامعة تنتج المعرفة، ومدرسة ابتدائية تؤسس للقراءة والرياضيات والعلوم، ونظامًا تعليميًا يقيس نتائجه بما يتعلمه التلميذ لا بما يقال في التقارير.

لا نريد نخبة تصفق للحاكم

وهنا نصل إلى النخبة.

ربما تكون أخطر مشكلة في أي نظام سياسي أن يتحول جزء من المثقفين والكتاب وأصحاب الرأي إلى مرآة تعكس للحاكم ما يرغب في سماعه، بدل أن تكون عينًا ترى ما لا يراه.

الحاكم لا يحتاج إلى من يقول له دائمًا إن كل شيء على ما يرام.

إنه يحتاج إلى من يقول له أين أخطأت الدولة، وأين فشلت السياسات، وأين تتسع الفجوة بين الخطاب والواقع، وأين تتعطل المؤسسات، وأين يشعر المواطن بالظلم.

النخبة الحقيقية لا تضخم إنجازات السلطة، ولا تهدم كل شيء من أجل المعارضة؛ وإنما تقول الحقيقة عندما تكون الحقيقة غير مريحة.

ولذلك فإن الحوار الوطني المرتقب سيكون اختبارًا حقيقيًا للنخبة قبل أن يكون اختبارًا للسلطة.

فإذا تحول إلى مهرجان للمجاملات، فلن يضيف شيئًا.

أما إذا استطاع أن يضع على الطاولة الملفات التي نتجنبها عادة، وأن يناقش قواعد بناء الدولة لا مجرد توزيع المواقع، فقد يكون فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة.

من سؤال «أي وطن نريد؟» إلى سؤال «كيف نبنيه؟»

لقد عرف الموريتانيون خلال العقود الماضية كثيرًا من الشعارات الجميلة.

لكن ما ينقصنا ليس شعارًا جديدًا، وإنما قواعد جديدة للعمل العام.

نريد وطنًا لا يكون فيه المواطن مضطرًا إلى البحث عن صاحب نفوذ لكي يحصل على حقه.

نريد دولة يكون فيها القانون أقوى من العلاقة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والكفاءة أقوى من المحسوبية، والمصلحة العامة أقوى من الحسابات الضيقة.

نريد جيشًا جمهوريًا، وإدارة مهنية، واقتصادًا منتجًا، وتعليمًا فعالًا، وقضاءً مستقلًا، ومؤسسات قادرة على الاستمرار مهما تغير الأشخاص.

ونريد قبل ذلك كله ثقافة سياسية تعترف بأن الدولة ليست ملكًا للحاكم، ولا للحزب، ولا للنخبة، ولا لأي أسرة أو مجموعة.

الدولة ملك لجميع مواطنيها.

ولهذا فإن السؤال الذي طُرح من أطار يستحق أن يبقى مفتوحًا، لكن ليس باعتباره سؤالًا بلاغيًا.

فالجواب الحقيقي لن يكون في البيانات ولا في المقالات ولا في الخطب.

سيكون في اليوم الذي يصبح فيه المواطن قادرًا على أن يقول:

أنا مواطن، وحقوقي مصونة بالقانون، وفرصي لا تحددها علاقاتي، وثروة بلدي ملك للأجيال، ومن يتولى المسؤولية يحاسب على أدائه، ومن ينجح يكافأ على كفاءته، ومن يخطئ يتحمل مسؤوليته.

ذلك هو الوطن الذي يستحق أن نتساءل كيف نبنيه.

أما أن نتفق جميعًا على أننا نريد وطنًا عادلًا وقويًا ومزدهرًا، ثم نرفض مساءلة القواعد التي تنتج الظلم والفساد والريع، فسنظل ندور حول السؤال نفسه، مهما تغيرت صياغاته.

الوطن الذي نريده لا يحتاج إلى مزيد من التجميل في الخطاب؛ بل يحتاج إلى شجاعة في إصلاح الواقع.