مخاطر ارتفاع الخطابات المتشنجة على الاستقرار في موريتانيا/ الأستاذ أحمد فال بركه،

 

 

القبلية والشرائحية والعرقية وخطابات العسكريين السابقين

تتميز موريتانيا بتنوع اجتماعي وثقافي عميق، وهو تنوع يمكن أن يكون مصدر قوة للدولة والمجتمع عندما يُدار في إطار المواطنة والقانون، لكنه قد يتحول إلى مصدر توتر عندما تتحول الانتماءات الاجتماعية أو السياسية إلى أدوات للاستقطاب والتحريض.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح الفضاء العام، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي، أكثر عرضة للخطابات الحادة التي تستحضر الانتماءات القبلية أو الشرائحية أو العرقية، إلى جانب بعض الخطابات السياسية الصادرة عن شخصيات عسكرية سابقة. والمشكلة ليست في وجود الاختلاف أو في ممارسة النقد، وإنما في تحول الاختلاف من نقاش حول السياسات والمصالح إلى خطاب يضع المواطنين في مواجهة بعضهم على أساس الأصل أو الشريحة أو القبيلة أو الماضي السياسي.

وقد حذّر تقرير حول الحوار الوطني في موريتانيا من أن التفاوتات الاجتماعية والقضايا غير المحسومة يمكن أن تغذي عودة الخطابات الهوياتية والشعبوية، وأن هذه العوامل قد تسهم في زيادة الاستقطاب والتوترات السياسية والاجتماعية.

أولاً: الخطاب القبلي.. عندما تتحول القبيلة من رابطة اجتماعية إلى أداة سياسية

القبيلة جزء من البنية التاريخية للمجتمع الموريتاني، ولا يمكن تجاهل حضورها الاجتماعي والثقافي. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح القبيلة معياراً للولاء السياسي أو الإداري، أو عندما يُقدم السياسي أو المسؤول باعتباره ممثلاً لقبيلته قبل أن يكون ممثلاً لجميع المواطنين.

فالخطاب القبلي المتشنج يمكن أن يؤدي إلى عدة نتائج:

* تعميق الانقسام بين المواطنين.
* تحويل المنافسة السياسية إلى منافسة بين مجموعات اجتماعية.
* إضعاف الثقة في المؤسسات الجمهورية.
* تشجيع منطق “نحن” في مواجهة “هم”.
* جعل الخلاف السياسي يبدو وكأنه خلاف بين قبائل ومجموعات، وليس خلافاً حول البرامج والأفكار.

وقد شهد عام 2025 دعوات رسمية واضحة إلى الحد من الخطابات والممارسات القبلية والجهوية والشرائحية، كما صدرت تعليمات تتعلق بمنع مشاركة الموظفين العموميين في أنشطة ذات طابع قبلي أو جهوي أو فئوي.

ثانياً: الخطابات الشرائحية.. بين طرح المظالم وخطر التعميم

من الضروري التمييز بين طرح قضية اجتماعية مشروعة وبين الخطاب الشرائحي المتشنج.

فالمطالبة بالعدالة والمساواة ومحاربة التمييز حق مشروع، بل إن معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية جزء أساسي من بناء الاستقرار. وقد أقرت الحكومة نفسها بأن الفقر والتهميش والتمييز والإقصاء، إضافة إلى آثار العبودية والأحداث التاريخية، تمثل عوامل ينبغي معالجتها لتعزيز الوحدة الوطنية.

لكن المشكلة تظهر عندما يتحول النقاش من المطالبة بالحقوق إلى تحميل جماعة اجتماعية بأكملها مسؤولية أخطاء أفراد، أو عندما تستخدم المظالم التاريخية لتبرير الكراهية تجاه مكونات أخرى.

وهنا يصبح الخطاب الشرائحي سلاحاً ذا حدين: إذا استُخدم للمطالبة بالإصلاح فهو جزء من النقاش الوطني، أما إذا استُخدم لتأجيج العداء بين المواطنين فإنه يتحول إلى عامل تهديد للاستقرار.

ثالثاً: الخطاب العرقي.. أخطر مراحل الاستقطاب

الخطاب العرقي من أكثر أنواع الخطابات حساسية في أي مجتمع متعدد المكونات.

فاللغة التي تصف المواطنين باعتبارهم جماعات متنافسة على الوطن، أو التي تستخدم أحداثاً تاريخية مؤلمة لإعادة إنتاج العداء في الحاضر، يمكن أن تنتقل بسرعة من شبكات التواصل الاجتماعي إلى الشارع.

والخطر الأكبر لا يكمن فقط في الكلمات المباشرة، وإنما في التعميم:

خطأ شخص يتحول إلى إدانة لجماعة كاملة،
وموقف سياسي يتحول إلى صراع عرقي،
وحادثة فردية تتحول إلى دليل على موقف جماعي.

وهذا النوع من الخطاب يضعف فكرة المواطنة المتساوية، ويجعل المواطن ينظر إلى جاره أو زميله أو شريكه في الوطن من خلال هويته الجماعية قبل النظر إليه باعتباره مواطناً.

ولهذا فإن محاربة الخطاب العنصري لا ينبغي أن تعني إسكات النقاش حول المظالم أو التمييز، بل ينبغي أن تعني فتح نقاش جاد حول هذه القضايا، مع رفض التحريض والتعميم والكراهية في الوقت نفسه.

رابعاً: خطابات العسكريين السابقين المتشنجة

تمثل المؤسسة العسكرية جزءاً مهماً من تاريخ الدولة الموريتانية، ولذلك فإن تصريحات العسكريين السابقين، وخاصة الشخصيات ذات الحضور العام، يمكن أن تحمل وزناً سياسياً ورمزياً يتجاوز تأثير تصريحات المواطن العادي.

وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين حق العسكري السابق في ممارسة العمل السياسي والتعبير عن رأيه، متى كان ذلك في إطار القانون، وبين استخدام التجربة العسكرية أو النفوذ الرمزي السابق في خطاب تصعيدي قد يضع المؤسسة العسكرية أو الدولة أو المجتمع أمام حالة من الاستقطاب.

فالخطاب السياسي الصادر عن شخصية عسكرية سابقة قد يعيد فتح ملفات الماضي، ويستحضر صراعات سياسية أو أمنية سابقة، ويؤثر في صورة المؤسسات لدى الرأي العام.

ولا تكمن المشكلة في نقد الأنظمة أو السياسات السابقة؛ فالنقد السياسي جزء طبيعي من الحياة العامة. وإنما تكمن الخطورة عندما يتحول الخطاب إلى تحريض، أو تشكيك شامل في مؤسسات الدولة، أو تهديد، أو استدعاء للصراعات القديمة بطريقة تؤجج الانقسام الحالي.

خامساً: وسائل التواصل الاجتماعي.. مضاعِف للخطر

لم يعد الخطاب المتشنج يبقى في حدود مجلس أو تجمع صغير.

فمنشور واحد يمكن أن يصل إلى آلاف الأشخاص خلال ساعات، ومقطع فيديو قصير يمكن أن يُقتطع من سياقه ويعاد نشره، بينما تسمح الخوارزميات أحياناً بانتشار المحتوى الأكثر إثارة للجدل.

وقد شهدت الساحة الموريتانية خلال 2025 و2026 دعوات سياسية ومدنية متكررة إلى مواجهة خطاب الكراهية والاستقطاب على شبكات التواصل الاجتماعي.

وهذا يفرض مسؤولية إضافية على السياسيين والإعلاميين والمؤثرين والنشطاء: الكلمة المنشورة لم تعد مجرد رأي شخصي؛ فقد تتحول إلى مادة تعبئة جماهيرية.

سادساً: من الاختلاف الطبيعي إلى الاستقطاب الخطير

يمكن تصور تطور الخطاب المتشنج في خمس مراحل:

اختلاف → استقطاب → تعميم → شيطنة الآخر → تعبئة جماعية.

في المرحلة الأولى يكون هناك اختلاف طبيعي في الرأي.

وفي الثانية يبدأ المجتمع بالانقسام إلى معسكرات.

وفي الثالثة يتم تعميم سلوك بعض الأفراد على جماعة بأكملها.

وفي الرابعة يتحول الطرف الآخر إلى “عدو” بدلاً من كونه مواطناً مختلفاً.

أما المرحلة الخامسة فهي الأخطر، حين يتحول الخطاب إلى تعبئة اجتماعية قد تؤدي إلى احتكاك أو عنف.

ولهذا فإن معالجة الخطاب المتشنج في بداياته أكثر سهولة وأقل تكلفة من محاولة احتواء نتائجه بعد أن يتحول إلى أزمة اجتماعية.

كيف يمكن الحد من المخاطر؟

المطلوب ليس منع الاختلاف، ولا فرض خطاب سياسي واحد، وإنما وضع قواعد واضحة للاختلاف.

ومن أهم الإجراءات الممكنة:

1. تعزيز خطاب المواطنة بحيث يكون الانتماء الوطني هو الإطار الجامع لجميع المواطنين.
2. تطبيق القانون بصورة متساوية على خطابات التحريض والكراهية، بصرف النظر عن هوية صاحب الخطاب أو الجماعة التي ينتمي إليها.
3. فتح نقاشات وطنية حقيقية حول القضايا الاجتماعية والعرقية والشرائحية، بدلاً من تركها تتراكم في شبكات التواصل.
4. إشراك العلماء والمثقفين والإعلاميين والشباب والنساء والمجتمع المدني في جهود الوقاية من الاستقطاب.
5. رفع مستوى المسؤولية الإعلامية في التعامل مع الأخبار والتصريحات الحساسة.
6. مواجهة الشائعات والمعلومات المضللة بسرعة قبل أن تتحول إلى وقائع في وعي الجمهور.
7. إبعاد الإدارة والمؤسسات العمومية عن الاصطفافات القبلية والشرائحية.
8. تشجيع السياسيين على مناقشة البرامج والسياسات بدلاً من استدعاء الهويات الاجتماعية.
9. توفير مساحات للتعبير السلمي عن المظالم حتى لا تجد الخطابات المتطرفة فرصة لاحتكار تمثيل الفئات المتضررة.
10. الاهتمام بالشباب، باعتبارهم الفئة الأكثر تعرضاً للمحتوى الرقمي والأكثر قدرة على تحويل الخطاب الإلكتروني إلى حراك اجتماعي.

وقد أكدت ندوة موريتانية حول الانسجام الاجتماعي في يناير 2025 أن الخطاب السياسي والإعلامي له دور أساسي في تعزيز التماسك الوطني، وأن مناقشة تأثير الخطاب الشرائحي ينبغي أن تكون جزءاً من البحث عن حلول عملية للانسجام الاجتماعي.

خاتمة

إن الخطر الحقيقي على الاستقرار في موريتانيا لا يكمن في التنوع، فالاختلاف القبلي والعرقي والثقافي والاجتماعي جزء من تاريخ البلاد، وإنما يكمن في تحويل هذا التنوع إلى صراع سياسي واجتماعي دائم.

وموريتانيا تحتاج إلى خطاب يسمح للمواطن بأن يقول: أنا مختلف معك، لكنني لا أراك عدواً.

فالقبلي لا ينبغي أن يرى في الآخر خصماً لقبيلته، والشرائحي لا ينبغي أن يرى في كل مخالف عدواً لشريحته، والناشط العرقي لا ينبغي أن يحول التاريخ إلى وقود للصراع، والعسكري السابق لا ينبغي أن تتحول تجربته الماضية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الاستقطاب.

وفي المقابل، فإن الحديث عن الوحدة الوطنية لا ينبغي أن يكون بديلاً عن معالجة المظالم الحقيقية؛ لأن الوحدة التي تقوم على تجاهل المشكلات تكون هشة، بينما الوحدة التي تقوم على العدالة والمواطنة وسيادة القانون تكون أكثر قدرة على الصمود.

ولهذا فإن المعادلة التي تحتاجها موريتانيا اليوم ليست الصمت مقابل الاستقرار، وإنما:

حرية التعبير + المسؤولية + العدالة + المواطنة المتساوية + رفض التحريض = استقرار مستدام،