العربية اللسان لا الانتساب لقوم معينين/ الوزير السابق المهندس المختار جاجيه،

طالعت في هذا الفضاء تدوينات عدة حول أصول ساكنة هذه البلاد والجدال المتجدد هل الغالب عليهم النسب العربي أو النسب البربري، وحول علاقة اللهجة الصنهاجية باللغة العربية، وحول وضع المتعربين من غير أصول عدنانية أو قحطانية.
وتعليقا على هذا الموضوع، الذي ذكرني به الفيديو المرفق، والذي بحثت فيها سابقا في مناسبات متعددة وكنت أحرص فيه قدر المتاح على الاستعانة بأقوال أهل الاختصاص، أقول إن الأمر يبدو أسهل مما تخيل الكثيرون؛ فخلاصة ما يمكن القارئ إن يحصله مثلي بجهد بحثي متواضع هو أن العربية أصل اللغات، وأن “العروبة” ليست أصلا لقوم معينين دون آخرين؛ بل من تكلم العربية عربي.

تلك الفكرة يؤصلها المبحث التالي، بعنوان “في أن العربية اللسان لا الانتساب إلى قوم معينين”، المنشور في إحد تآليفي :

ءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءءء
ورد في الموضوع أثر رواه ابن عساكر، ونصه:
“يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي “.

1) في أن العربية لغة أبي البشر آدم عليه السلام

(أخرج ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس أن آدم عليه السلام كان لغتُه في الجنّة العربيةَ، فلما عَصَى سلَبه اللّهُ العربية فتكلّم بالسريانية، فلما تاب ردَّ اللّه عليه العربية.
قال عبد الملك بن حبيب: كان اللسانُ الأوّلُ الذي نزل به آدمُ من الجنة عربياً ، إلى أن بَعُد العهدُ وطال، حرّف وصار سُرْيانياً، وهو منسوب إلى أرض سُورَى أو سوريانة، وهي أرضُ الجزيرة، بها كان نوح عليه السلام وقومه قبل الغَرَق، قال: وكان يُشَاكِل اللسانَ العربي، إلاّ أنه محرّف، وهو كان لسانَ جميع مَنْ في سفينة نوح، إلاَّ رجلاً واحداً يقال له جُرهم، فكان لسانه اللسانَ العربيّ الأول؛ فلما خرجُوا من السفينة تزوّج إرَم بن سام بعض بناته؛ فمنهم صار اللسانُ العربي في ولده عَوْص: أبي عاد وعَبيل، وجاثر: أبي ثمود وجديس، وسُمِّيَت عادٌ باسم جرهم؛ لأنه كان جدَّهم من الأم، وبقي اللسان السرياني في ولد أرْفَخْشَذ بن سام؛ إلى أن وصل إلى يشجب بن قحطان من ذريته وكان باليمن). اهـ كلام المزهر.
وبعد أن نجى الله نوحا عليه السلام ومن معه، كما قصه القرآن، وبعد أن لم يعقب أحد ممن كان في السفينة سواه ، تشعبت الأحفاد من بني نوح الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وكان رابعهم الذي قال إنه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء، فغرق.

و ظل أبناء نوح مجتمعين ما شاء الله لهم ذلك، ثم دب فيهم تبلبل الألسنة وتفرقوا في الأرض.

ولتبلبل الألسن الذي نجد ذكره كثيرا في كتب التواريخ سبب مخصوص فيما يفيد به كتاب المختصر في أخبار البشر لمؤلفه أبي الفداء حيث يقول:
(وأما سبب تبلبل الألسن فيذُكر فيه أن بني نوح الذين نشؤوا بعد الطوفان، اجتمعوا على بناء حصن يتحرزون به خوفاً من مجيء الطوفان مرة ثانية، والذي وقع رأيهم عليه أن يبنوا صرحاً شامخاً تبلغ رأسه السماء، فجعلوا له اثنين وسبعين برجاً، وجعلوا على كل برج كبيراً منهم يستحث على العمل، فانتقم الله تعالى منه، وبلبل ألسنتهم إلى لغات شتى) اهـ.

2) في ذكر أول جيل سمي بالعرب

مقتضى الجمع بين الروايات أنه بنجاة جرهم هو وبناته في سفينة نوح (وهو جرهم الأول) نجى الله العربية التي هي لسان آدم الأول ، فبقيت في أسباط جرهم الأول من بني إرم بن سام بن نوح. وتبلبلت الألسن من السريانية الأولى ذات اليمين وذات الشمال، وسلكت طرائق قددا، فكان ذلك التبلبل أصل تشكل اللغات المختلفة في العالم عبر تاريخ البشرية.

تشكل من بني أرم بن سام بن نوح إذن أول جيل من متكلمي العربية من ولد نوح عليه السلام ثم تشعب بنو إرم وبنو أخيه لاوذ -الذين يبدو أنهم تعلموا العربية من بني إرم- إلى قبائل عديدة، هي التي سميت بالعرب البائدة، ومن أشهر تلك القبائل: عاد، ثمود، جديس، طسم، أميم، عمليق، جاسم.
وقد ذكر القرآن الكريم نبيين من أنبياء الله في ذلك الجيل من العرب الذي كان قبل عهد إبراهيم الخليل عليه السلام، هما: هود عليه السلام الذي أرسله الله إلى عاد، وصالح عليه السلام الذي أرسله الله إلى ثمود. وكان من شأن هلاك هذين القومين إلا من آمن منهما ما قصه القرآن.

3) نشأة العرب المؤسسة

تواترت الرويات على أن العرب الذين صبحهم الإسلام بالجزيرة كانوا منتظمين ضمن شعبين رئيسيين شهيرين هما: قحطان وعدنان، أو العرب القحطانية والعرب العدنانية، أو عرب الجنوب وعرب الشمال.
وقد اشتهر في عرف المؤلفين قصر مسمى العرب على هذين الشعبين بعد تشكلهما ؛ فكانوا بمثابة جيل التأسيس لكل العرب بعد ذلك، واعتبر من سواهما دائرا في فلك أحدهما، مثل القلة الباقية من نسل من سموا بالعرب البائدة، ومثل باقي بني إسماعيل من غير العدنانية.
فكيف وصلت العربية إلى هذين الشعبين؟

يجتمع هذان الشعبان وفق أشهر الروايات حول كل منهما عند عابر بن أرفخشذ بن سام بن نوح.
وقد مر بنا أن بني أرفخشذ بن سام بن نوح كان قد بقي فيهم اللسان السرياني، في حين نَعم بالعربية بنو سام الآخرين، إرم ولاوذ، ممن سميناهم بجيل العرب البائدة.
فيما يخص تعرب شعب قحطان، فتقول الروايات إن يعربا بن (يشجب بن) قحطان بن عابر بن شالح بن أرفخشذ كان أول من تكلم العربية من ولد أرفخشذ، ولذلك سمي يعربا. وأنه كان ملكا على اليمن، وولى على الحجاز أخاه جرهما، وتعلم جرهم العربية من أخيه يعرب. فذلك هو مبتدأ انسحاب صفة العرب على بني قحطان: يعرب وجرهم ومن يدور في فلكه شعبهما من القبائل.

وأما فيما يخص شعب عدنان، فإن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام بلا شك، يقول ابن حزم في جمهرة أنساب العرب: “فعدنان من ولد إسماعيل بلا شك في ذلك، إلا أن تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جهلت جملة. وتكلم في ذلك قوم بما لا يصح؛ فلم نتعرض لذكر ما لا يقين فيه. وأما كل من تناسل من ولد إسماعيل – عليه السلام – فقد غبروا ودثروا، ولا نعرف أحد منهم على أديم الأرض أصلاً، حاشا ما ذكرنا من أن بني عدنان من ولده فقط”.
ثم يطرد في كتب التواريخ نسب إسماعيل عليه السلام كالتالي: هو ابن إبراهيم عليه السلام بن آزر بن ناحور بن سروج بن رعو بن فالج بن عابر.
وعابر هذا هو الذي تجمتع عنده القحطانية والعدنانية كما أسلفنا، وهو ابن شالح بن أرفخشذ بن نوح عليه السلام.
ولذلك فإن تأصل عدنان في العرب فرع عن تعرب جدهم إسماعيل عليه السلام، فقد تعلم إسماعيل العربية بلسان جرهم ثم ألهمه الله العربية الفصيحة المبينة فنطق بها .

ولابن حجر في فتح الباري كلام رائع في الجمع بين الأقوال المتعلقة بأصل تعرب أهل هذا الجيل، جاء ذلك في تعليق له على حديث في صحيح البخاري حول قصة إسماعيل عليه السلام وهاجر، وسنورد كلامه المذكور بعد أن نستعرض بداية هذا الحديث الطويل.
روى البخاري في صحيحه أن ابن عباس:
«أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ رَبِّ { إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ } حَتَّى بَلَغَ { يَشْكُرُونَ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْإِنْسَ فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ وَشَبَّ الْغُلَامُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ … » الخ الحديث.
ثم يعلق ابن حجر على هذا الحديث بما يقول فيه:
(قوْلُهُ : « وَشَبَّ الْغُلَام » أَيْ إِسْمَاعِيل. وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم « وَنَشَأَ إِسْمَاعِيل بَيْن وِلْدَانهمْ ».
قَوْلُهُ : « وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّة مِنْهُمْ » فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ لِسَان أُمّه وَأَبِيهِ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا ، وَفِيهِ تَضْعِيف لِقَوْلِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْحَاكِم فِي ” الْمُسْتَدْرَك ” بِلَفْظِ ” أَوَّل مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل ” وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي النَّسَب مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ : ” أَوَّل مَنْ فَتَقَ اللَّه لِسَانه بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبِينَة إِسْمَاعِيل ” وَبِهَذَا الْقَيْد يُجْمَع بَيْن الْخَبَرَيْنِ فَتَكُون أَوَّلِيَّته فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الزِّيَادَة فِي الْبَيَان لَا الْأَوَّلِيَّة الْمُطْلَقَة فَيَكُون بَعْد تَعَلُّمه أَصْل الْعَرَبِيَّة مِنْ جُرْهُم أَلْهَمَهُ اللَّه الْعَرَبِيَّة الْفَصِيحَة الْمُبِينَة فَنَطَقَ بِهَا، وَيَشْهَد لِهَذَا مَا حَكَاهُ اِبْن هِشَام عَنْ الشَّرْقِيّ بْن قَطَامِيّ ” إِنَّ عَرَبِيَّة إِسْمَاعِيل كَانَتْ أَفْصَح مِنْ عَرَبِيَّة يَعْرُب بْن قَحْطَان وَبَقَايَا حِمْيَر وَجُرْهُم ” وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون الْأَوَّلِيَّة فِي الْحَدِيث مُقَيَّدَة بِإِسْمَاعِيل بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَقِيَّة إِخْوَته مِنْ وَلَد إِبْرَاهِيم فَإِسْمَاعِيل أَوَّل مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ وَلَد إِبْرَاهِيم…) اهـ المراد من كلام ابن حجر.

إذًا لو أردنا أن نلخص أصل تعرب بني إسماعيل فإننا نقول:
إن إسماعيل قد تعلم أصل العربية من جرهم الثانية، الذين تعلمها جدهم من أخيه يعرب جد العرب القحطانية، ويعرب كان قد تعلمها من العرب البائدة، وهؤلاء كانوا بدورهم قد تعلموها من جرهم الأول وبناته الذين نجاهم الله مع نوح في السفينة، وكان جرهم الأول في ذلك العهد قد بقي على اللسان العربي الأول لسان جده آدم قبل تحرفه إلى السريانية.
وبعد أن تعلم إسماعيل أصل العربية من جرهم ألهمه الله العربيةَ الفصيحة المبينة فنطق بها.
ومن ولد إسماعيل عليه السلام اصطفى الله الأحفاد خلفا عن خلفا حتى اصطفى نبيه لحمل رسالته الخاتمة إلى جميع أهل الأرض جميعا: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وفي صحيح مسلم من حديث واثلة بن الأسقع: « سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ».
ونبينا صلى الله عليه وسلم هو: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعبِ بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ بْنِ عَدْنَانَ.
وقريش تطلق على بني فهر، وقيل : على بني النضر.

4) استمرار البيان العربي في قريش

كما شرف الله جدود النبي صلى الله عليه وسلم على غيرهم في النسب فكذلك فضل لسانهم على غيره من الألسنة، وظلت العربية التي في ولد إسماعيل وفي العدنانية ثم قريش من بعدهم هي غاية الفصاحة بين العرب.
وكما جعل الله مكة مركز اليابسة في الكون، وجعل فيها البيت المعمور جعل الله قريشا بمكة المركز الرئيس لحياة العرب في الجاهلية في مختلف نواحيها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وسلَّمت بشرف قريش على باقي العرب كل العرب من حولهم، ومن الله عليهم بمكانة اقتصادية فيسر لهم رحلتي الشتاء والصيف.

وكذلك جعل الله قريشا قطبا ثقافيا متميزا فصار لسانهم هو نموذج الفصاحة عند العرب وانجذبت إلى لسانهم ألسنة من سواهم من العرب: فعندما نشأ الشعر الجاهلي بنحو قرنين قبل الهجرة، كانت لغته التي اصطلح عليها العرب، شماليون وجنوبيون، عدنانيون وقحطانيون، هي لغة قريش بمكة.
وكان المعيار عند العرب لقياس مستوى فصاحة قبيلة عربية ما هو مدى قربها أو بعدها من لغة قريش بمكة، وسموا الانحرافات اللغوية عن تلك اللغة المعيارية بأسماء قبائلهم، فكانت تلك هي لغاتهم القبلية أو لغياتهم كما يقولون أحيانا، فمن ذلك مثلا قولهم كشكشة ربيعة، وعجعجة قضاعة، واستنطاء هذيل …الخ.

وقد اخترنا للقارئ هنا كلاما رائعا للسيوطي في “المزهر” في فصل عنده بعنوان “في معرفة الفصيح من العرب”:
{وقال الخطابي: اعلم أن اللّهَ لما وضعَ رسوله صلى الله عليه وسلم موضع البلاغ من وَحْيه، ونَصَبه مَنْصِب البيان لدينه اختار له من اللغات أعربَها، ومن الألْسُن أفصحَها وأبينَها؛ ثم أمدَّه بجوامع الكَلم. قال: ومِنْ فصاحته أنه تكلّم بألفاظ اقْتَضَبَها لم تُسْمَع من العرب قبله، ولم توجد في مُتقدّم كلامها؛ كقوله: مات حَتْف أَنْفه، وحَمِيَ الوطيس، ولا يُلْدَغُ المؤمنُ من جُحرٍ مرَّتين. في ألفاظ عديدة تَجْري مَجْرى الأمثال، وقد يدخل في هذا إحْدَاثُه الأسماء الشرعية. انتهى.
وأفصح العرب قريش؛ قال ابنُ فارس في فقه اللغة: باب القول في أفصح العرب، أخبرني أبو الحسن أحمد بن محمد مولى بني هاشم بقَزْوين، قال: حدثنا أبو الحسن محمد بن عباس الحشكي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي عبيد اللّه، قال: أَجْمَع علماؤنا بكلام العرب، والرُّواة لأشعارهم، والعلماءُ بلُغاتهم وأيامهم ومحالِّهم أن قُرَيْشاً أفصحُ العربِ أَلْسِنَةً، وأَصْفَاهُمْ لغةً؛ وذلك أن اللّه تعالى اختارَهم من جميع العرب، واختارَ منهم محمداً، فجعلَ قريشاً قُطَّانَ حَرَمه، ووُلاَةَ بَيْته؛ فكانت وفودُ العرب من حجَّاجها وغيرهم يَفِدُونَ إلى مكة للحج، ويتحاكمون إلى قريش، في دارهم، وكانت قريشٌ، مع فصاحتها وحسْن لُغاتها، ورِقَّة أَلْسِنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخَيَّرُوا من كلامهم وأشعارهم أحسنَ لُغَاتهم، وأصْفَى كلامهم؛ فاجتمعَ ما تخَيَّرواْ من تلك اللغات إلى سلائقِهم التي طُبعوا عليها؛ فصاروا بذلك أفصحَ العرب. ألا ترى أنك لا تجدُ في كلامهم عَنْعَنة تميم، ولا عَجْرفية قَيْس، ولا كشْكَشَة أسد، ولا كَسْكَسَة ربيعة، ولا كَسْر أسد وقيس…. }.

5) في الأصل العربي لغالب القبائل الموريتانية
أورد المختار بن حامدٌ في جزء الجغرافيا من موسوعته حول أصول سكان موريتانيا ما نصه:
{ينقسم سكان موريتانيا إلى بيض، يمثلون قرابة أربعة أخماس السكان، وسود يمثلون الخمس تقريبا. وينقسم البيض الموريتانيون من حيث الأصل، والنسب، إلى ثلاث طبقات:
– طبقة قديمة منحدرة من المرابطين من صنهاجة.
– وطبقة منحدرة من الأفراد القادمين من بلاد الإسلام مجاهدين زمان فتوح المرابطين، أو مهاجرين في أزمنة متفاوتة. من هذه الطبقة من ينتسب إلى الأنصار، أو إلى شتى بطون قريش، من فهريين، وبكريين، وهاشميين.
– وطبقة منحدرة من بني حسان من عرب المعقل الذين دخلوا هذه البلاد في آخر القرن الثامن الهجري فغلبوا على أهلها وضربوا المغرم على جمهور منهم يسمى “باللحمة”} .

وقد عقد ابن حامدٌ في جزء “التاريخ السياسي” من موسوعته مطلبا للكلام عن عروبة صنهاجة، قال فيه:
{وقد اختلف المؤرخون في نسب صنهاجة: هل هم من البربر –سكان الشمال الإفريقي- أو هم من العرب وتوطنوا في البربر. وقد ذهب أغلب المؤرخين والنسابة العرب إلى أن صنهاجة عرب قحطانيون، وقالوا لإنهم نزحوا من اليمن في وقت مبكر، واختلفوا في تحديد هذ الوقت}.
وقد ألف في إثبات عروبة صنهاجة ومنها لمتونة: بداه ولد البوصيري كتابه “الفلك المشحونة في حميرية لمتونة”، ومحمد الإغاثة الشنقيطي كتابه “قواطع البراهين في حميرية قادة المرابطين”، واختارها الأستاذ لمرابط ولد محمد الأمين موضوعا لرسالة جامعية.

وبالنسبة لبني حسان عقد أيضا ابن حامد مطلبا في جزء “الجغرافيا” من موسوعته للكلام عن نسب بني حسان، وأورد فيه ما استدل به صاحب “الاستقصا” على نسبتهم إلى جعفر بن أبي طالب، وذلك في كتابه الخاص بهذا الموضوع المسمى: “طلعة المشتري في تحقيق النسب الجعفري” .

وتبعا لذلك نعلم أن أصول القبائل البيضانية (بالمفهوم الثقافي)، وهم غالب القبائل الموريتانية، ترجع إلى العرب المؤسسة من العدنانيين والقحطانيين.
هذا فضلا عن العمق الثقافي العربي لغالب القبائل الموريتانية؛ باتخاذهم العربية لغة لثقافتهم العالمة منذ دخول الإسلام إلى هذه البلاد في القرن الثاني الهجري، وتبنيهم للهجة الحسانية لثقافتهم الشعبية حين رأوا فيها قنطرة إضافية إلى الفصحى.