بين العدالة الاجتماعية والسلام الأهلي: قراءة في قضية لحراطين والواقع الموريتاني/بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي

ليست قضية لحراطين في موريتانيا مجرد ملف اجتماعي عابر، ولا شعارًا ظرفيًا يُرفع في مواسم السياسة، بل هي جزء من سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة، ومعنى المواطنة، وحدود العدالة داخل المجتمع الموريتاني.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات أو مؤسسات، وإنما بقدرتها على تحويل التنوع الاجتماعي إلى قوة جامعة، وعلى معالجة جراحها التاريخية بعقل الدولة لا بانفعال القبيلة أو استثمار المظلومية.
لقد أدرك الفلاسفة والمفكرون منذ القدم أن حب الوطن لا يكتمل إلا بتحقيق العدالة داخله. فأفلاطون رأى أن الإنسان لم يُخلق لنفسه وحدها، بل لوطنه أيضًا، بينما ربط أرسطو استقرار الأوطان بوجود العدالة والمشاركة السياسية. أما الإمام علي بن أبي طالب فقد اختصر فلسفة التعايش في قاعدة خالدة:
«“الناس صنفان؛ إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.»
وهذه القاعدة تبدو اليوم شديدة الارتباط بالواقع الموريتاني، حيث لا يمكن بناء سلام أهلي حقيقي دون الاعتراف بأن أي شعور بالتهميش، مهما كان حجمه أو مصدره، يمثل خطرًا على تماسك المجتمع كله.
إن غالبية النخب الواعية في موريتانيا، بمختلف اتجاهاتها القومية والعروبية واليسارية والنقابية، لم تعد تنظر إلى قضية لحراطين باعتبارها قضية فئة معزولة، بل باعتبارها قضية وطنية تتعلق باستكمال مشروع المواطنة المتساوية. ولذلك ارتفعت المطالب بضرورة محو آثار الاسترقاق عبر التعليم النوعي، والتنمية، وفتح فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي أمام الأجيال الجديدة، حتى يصبح الانتماء للوطن أقوى من أي شعور بالغبن أو العزلة.
غير أن جوهر الأزمة، في نظر كثيرين، لا يكمن فقط في البعد الاجتماعي أو التاريخي، بل في طبيعة المنهج الذي أُديرت به الدولة منذ نشأتها. فثمة شعور واسع بأن “الدولة العميقة” ـ بما تملكه من شبكات نفوذ ومصالح ـ ما تزال تعيق قيام دولة المؤسسات والعدالة المتكافئة.
فالزبونية والمحسوبية وتوزيع الفرص على أساس القرب من مراكز النفوذ، لا على أساس الكفاءة، أصبحت شكاوى مشتركة بين مختلف مكونات المجتمع.
إن الفساد حين يتحول إلى ثقافة حكم، لا يظلم شريحة واحدة فقط، بل يفتح الباب أمام إعادة إنتاج الامتيازات داخل العائلات والدوائر الضيقة. فالمسؤول الكبير أو المنتخب النافذ يستطيع أن يحول المنصب إلى وسيلة لصعود أبنائه وأقاربه، عبر التوظيف والصفقات والامتيازات، بينما يبقى أبناء الفقراء ـ من كل المكونات ـ خارج دائرة الفرص.
ومن هنا يصبح مطلب الإنصاف مطلبًا وطنيًا شاملًا، لا قضية فئوية ضيقة. فالعدل الذي يطالب به لحراطين هو ذاته العدل الذي يحتاجه كل شاب موريتاني يشعر أن الكفاءة وحدها لا تكفي للنجاح.
ولذلك فإن بناء دولة القانون لا ينبغي أن يُفهم كصراع بين المكونات، بل كمعركة جماعية ضد الفساد والاحتكار وغياب تكافؤ الفرص.
وفي هذا السياق، برزت خلال السنوات الأخيرة شخصيات وواجهات حقوقية حاولت تقديم نفسها باعتبارها “الناطق الحصري” باسم معاناة لحراطين. لكن التجربة أظهرت أن بعض هذه الوجوه وقعت في أخطاء خطيرة، حين حولت القضية من مشروع وطني للإصلاح إلى أداة للابتزاز السياسي أو البحث عن الزعامة الشخصية.
لقد كان من المفترض أن يشكل “ميثاق حقوق لحراطين” أرضية جامعة للنضال المدني السلمي، غير أن سوء التسيير وتغليب الحسابات الفردية ساهم في إضعافه، قبل أن تظهر محاولات أكثر اتزانًا مثل “ميثاق المواطنة المتكافئة”، وهي مبادرات حاولت نقل النقاش من منطق الصدام والهويات المغلقة إلى منطق الدولة الجامعة والحقوق المتساوية.
غير أن الخطير هو حين يتجاوز بعض النشطاء حدود المطالبة بالإصلاح الداخلي إلى استدعاء الحماية الأجنبية أو تدويل الأزمة بطريقة توحي بأن الوطن عاجز عن إصلاح نفسه بنفسه.
فهنا تتحول القضية من نضال حقوقي مشروع إلى خطاب قد يُفهم باعتباره طعنًا في الدولة والمجتمع معًا، خاصة عندما يعجز أصحاب هذه الدعوات عن تقديم مشروع سياسي متماسك أو تفسير واقعي لطرحهم أمام الرأي العام.
ولا يمكن إنكار أن لحراطين اليوم حاضرون بقوة في مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع؛ فمنهم الوزراء والضباط والأطباء والمهندسون والأساتذة والنواب والعمد ورجال الأعمال. وهذا تطور مهم يعكس تغيرًا اجتماعيًا حقيقيًا لا يجوز تجاهله أو التقليل منه.
لكن وجود نماذج ناجحة لا يعني بالضرورة انتهاء الإشكالات الاجتماعية، تمامًا كما أن استمرار بعض المظالم لا يبرر تعميم صورة سوداء عن الوطن بأكمله.
إن الحكمة السياسية تقتضي التمييز بين “الاعتراف بالمشكلة” و”تغذية الإحباط”. فالأوطان لا تُبنى بالإنكار، لكنها أيضًا لا تُبنى بخطابات الكراهية أو الاستقواء بالخارج.
والسلام الأهلي في موريتانيا لن يتحقق إلا عبر ثلاثة شروط أساسية:
1. العدالة في توزيع الفرص والثروة بعيدًا عن النفوذ والزبونية.
2. تعليم نوعي وتنمية حقيقية تستهدف الفئات الهشة وتمنح أبناءها أدوات الصعود الاجتماعي.
3. خطاب وطني جامع يرفض العنصرية بكل أشكالها، ويمنع تحويل المظالم إلى تجارة سياسية.
لقد قال محمود درويش إن الوطن هو “البيت، ورائحة الخبز، والسماء الأولى”، لكن الوطن أيضًا هو شعور الإنسان بأن كرامته مصونة وأن مستقبله لا تحدده أصوله الاجتماعية أو قربه من أصحاب النفوذ.
وموريتانيا اليوم ليست في حاجة إلى من يوسع جراحها، بل إلى من يساعدها على بناء عقد وطني جديد، يقوم على المواطنة والعدالة والكفاءة، حتى يشعر الجميع ـ لحراطين وغيرهم ـ أن هذا الوطن يتسع للجميع، وأن مستقبل أبنائه لا يُصنع بالامتيازات الموروثة، بل بالحق والعمل والاستحقاق.