بين الكركرات وهرمز : من إستجابة إلى إختبار جديد/ د.ملاي آب أكيك،

 

تُصنَّف موريتانيا ضمن الاقتصادات المفتوحة، حيث تمثل واردات السلع والخدمات نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي، تراوحت خلال السنوات الأخيرة في حدود 45% إلى 55%. وفي المقابل، يظل هيكل الصادرات محدود التنويع، إذ يتركز أساسًا في خام الحديد والمنتجات السمكية، مع بداية دخول الغاز الطبيعي ضمن مكونات الصادرات العام الماضي.

هذا التركيب يعكس درجة انكشاف مرتفعة للاقتصاد الموريتاني على الخارج، ما يجعله شديد التأثر بتقلبات الأسواق الدولية والصدمات الخارجية، سواء عبر اختلال سلاسل الإمداد أو تقلبات أسواق الطاقة، بحيث تنتقل الاضطرابات سريعًا إلى الداخل في شكل تضخم وارتفاع في كلفة المعيشة.

في سنة 2020، كشفت أزمة الكركرات هذا النوع من الهشاشة على مستوى سلاسل التوريد الغذائية، إذ أدى تعطّل حركة المرور التجاري في المعبر إلى عرقلة تموين السوق، خصوصًا بالخضروات، التي شهدت أسعارها ارتفاعًا حادًا؛ إذ ارتفع سعر الطماطم، مثلًا، من نحو 500 أوقية قديمة إلى قرابة 2000 أوقية للكيلوغرام. كما ارتفعت تكاليف النقل بنسبة تتراوح بين 20% و30% نتيجة تغيير المسارات وإطالة زمن التوريد.

هذه الصدمة لم تُحدث اختلالًا سعريًا فحسب، بل أظهرت أيضًا هشاشة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما ولّد إدراكًا متزايدًا بضرورة تعزيز الاكتفاء الذاتي الغذائي، خاصة في قطاع الخضروات. فعلى المستوى الحكومي، تُرجم ذلك إلى توسيع الاهتمام بالزراعة المحلية، ولا سيما في المناطق ذات الإمكانات الإنتاجية، مع تشجيع الإنتاج الموسمي. أما مجتمعيًا، فقد برز تحول في السلوكين الإنتاجي والاستهلاكي، تمثّل في بروز مبادرات فردية لزراعة الخضروات، وتنامي تفضيل المنتجات المحلية عند توفرها، بالتوازي مع اتساع النقاش حول دعم الإنتاج الوطني.

ومع مرور الوقت، أصبح الأمن الغذائي ضمن أولويات السياسات العامة بوصفه ركيزة سيادية. وقد انعكس هذا التوجه في تحسن تزويد السوق بمنتوج محلي من الخضروات على مدى فترات أطول من السنة، إلى جانب تقليص الاعتماد على الواردات؛ إذ تراجعت قيمة وارداتها بنسبة 7.2% سنة 2022 مقارنة بسنة 2021، ثم بنسبة 42.6% سنة 2023 مقارنة بسنة 2022، وهو ما يعكس تطورًا تدريجيًا في قدرة الإنتاج المحلي على تغطية حصة متزايدة من الطلب الداخلي.

اليوم، تعيد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز طرح الإشكال ذاته، لكن على مستوى أعمق، باعتبار الطاقة مدخلًا أساسيًا لكل الأنشطة الاقتصادية. إذ يمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وبالتالي فإن أي اضطراب فيه ينعكس عادة بارتفاع في الأسعار يتراوح بين 10% و30% على المدى القصير. وبالنسبة لموريتانيا، يظهر الأثر بشكل غير مباشر عبر ارتفاع فاتورة استيراد الوقود، وزيادة تكاليف النقل، ثم انتقال ذلك إلى مستويات التضخم العام. وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% يمكن أن يضيف ما بين 0.3 و0.8 نقطة مئوية إلى معدل التضخم في اقتصادات مماثلة من حيث البنية والانفتاح.

لا تتعلق المقارنة بين الكركرات وهرمز بطبيعة الأزمتين أو حجمهما، بل بنوعية الدرس الاقتصادي الذي أفرزته كل منهما. فإذا كانت أزمة الكركرات قد دفعت نحو سياسات لدعم الإنتاج الزراعي المحلي وتوسيع أشكال الاكتفاء الغذائي النسبي، فإن السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت أزمة مضيق هرمز ستُترجم إلى تحول مماثل في بنية الاقتصاد، خصوصًا في قطاع الطاقة وهيكل الإنتاج ككل.

ويكمن جوهر الإشكال في طبيعة الاستجابة ذاتها؛ فالتكيف في القطاع الغذائي يمكن أن يتحقق نسبيًا بسرعة عبر توسيع المساحات الزراعية أو تحسين الإنتاج الموسمي، بينما يتطلب التحول في قطاع الطاقة استثمارات رأسمالية ضخمة، وأطرًا تنظيمية مستقرة، وشبكات نقل وتخزين عصرية. أي إن الأمر لا يتعلق باستجابة ظرفية، بل بتحول بنيوي طويل الأمد، من منطق “التكيف مع الصدمة” إلى منطق “إعادة بناء النموذج الاقتصادي”.

ومع ذلك، تمتلك موريتانيا مقومات يمكن أن تشكّل قاعدة صلبة لهذا التحول إذا ما فُعّلت ضمن رؤية منسقة؛ إذ تتيح الإمكانات الكبيرة في الطاقة الشمسية والهوائية إعادة هيكلة تدريجية لمزيج الطاقة، بما يقلّص من حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار الوقود في حال رفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى حدود 20%-30% خلال خمس إلى سبع سنوات. كما يفتح دخول حقل آحميم الكبير مرحلة الاستغلال آفاقًا لتعزيز الأمن الطاقوي، شريطة توجيه جزء معتبر من الإنتاج نحو السوق المحلية، بدل الاكتفاء بالتصدير الخام.

وانطلاقًا من هذه المرتكزات، يتطلب تحويل “درس هرمز” إلى فرصة عملية تبني حزمة سياسات متكاملة، تقوم على توسيع استخدام الطاقة الشمسية في القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والتبريد والتعدين والصناعة، إلى جانب إبرام عقود شراء طويلة الأجل لمشاريع الطاقات المتجددة بما يضمن استقرار الإمداد الكهربائي. وقد بدأت موريتانيا بالفعل في هذا المسار من خلال توقيع اتفاقية سنة 2025 مع شركة Iwa Green Energy لتطوير محطة هجينة (شمس/رياح) بقدرة تقارب 60 ميغاواط، في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص، مدعومة بعقد شراء طاقة طويل الأجل تلتزم بموجبه الشركة الوطنية للكهرباء بشراء الإنتاج، وهو ما يشكّل نموذجًا عمليًا لنظام المنتج المستقل للطاقة، ويعزّز قابلية تمويل هذا النوع من المشاريع.

كما تشمل هذه الحزمة إنشاء مخزون استراتيجي من الوقود والمواد الأساسية يغطي ما بين 60 و90 يومًا. وعلى المدى البعيد، يتطلب ذلك أيضًا إعادة توجيه جزء من إنتاج الغاز نحو السوق المحلية، خصوصًا في إنتاج الكهرباء والصناعة، بدل الاكتفاء بتصديره في شكله الخام، إلى جانب إصلاح تدريجي لتعرفة الكهرباء يوازن بين جذب الاستثمار والاستقرار الاجتماعي، فضلًا عن تنويع الشركاء والممرات التجارية للحد من الاعتماد على قنوات أحادية في الاستيراد والتصدير.

في المحصلة، تكشف التجربتان، إغلاق معبر الكركرات واضطرابات مضيق هرمز، أن الأزمات ليست أحداثًا معزولة، بل مؤشرات متكررة على بنية اقتصادية تتسم بدرجة من الهشاشة. إن التعامل معها كصدمات ظرفية يحدّ من آثارها المباشرة، لكنه لا يعالج جذورها البنيوية. أما تحويلها إلى فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر مرونة واستقلالية، فهو ما يحدد فعليًا مستوى الجاهزية لمواجهة الصدمات المقبلة.