قمة G5 في نواكشوط: فرصة ترتيب الأولويات واستعادة البوصلة / د. محمد يحي أحمدناه

 

مطلع الأسبوع القادم تستضيف نواكشوط قمة مجموعة دول الساحل الخمس، التي ستتسلم موريتانيا خلالها الرئاسة الدورية لهذه المجموعة التي انطلقت من نواكشوط، وفي اليوم الموالي للقمة ستستضيف نواكشوط أول جمعية عمومية لـ”تحالف الساحل”.
وتأتي القمة – وما يتبعها – في لحظة فارقة في تاريخ هذه المنظمة، وفي واقع المنطقة التي تواجه تحديات جمة، في المقدمة منها تصاعد العنف خلال العام الأخير وتفاقم إشكالات التنمية والتعايش المتراكمة على امتداد عقود. في  الوقت ذاته تعرف المنطقة ومحيطها المباشر تحولات عميقة على مستويات عديدة، استراتيجية وسياسية واقتصادية ومجتمعية.
في هذا السياق، سيتولى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الرئاسة الدورية للمجموعة خلال الفترة القادمة في وقت يتميز بتنامي “مطالب وتطلعات السكان”، وبروز “الأولويات التنموية”. ولا شك أن مسار المجموعة التي انطلقت منذ 2014، وصادقت على إنشاء قوتها المشتركة منذ 2017، يتطلب في هذه المرحلة نظرة فاحصة تشخص الواقع بدقة وموضوعية، وتستشرف المستقبل بطموح وتبصر، مستحضرة الدورة البارز بل الرائد الذي يمكن لبلادنا أن تنهض به، لتستثمر بإيجابية ما تمتلكه من نقاط قوة، وما تتميز به قيادتها من مصداقية، وخبرة، وانفتاح، وحكمة، في مجهود جماعي غايته القضاء على التهديدات، ومعالجة عوامل التوتير، وإرساء أسس النهوض، وصولا إلى استعادة الأمن والاستقرار لكل بلدان المنطقة، وضمان تعايش شعوبها في ظلال الأخوة والعدل، وتحقيق الرفاه لمجتمعاتها، وتنمية وتطوير وترشيد مقدراتها الاقتصادية، وترقية مؤسساتها السياسية.
متغيرات دالة.
لا يمكن الحديث عن واقع المنظمة والمنطقة دون التوقف مع متغيرات دالة تجمعت خلال الأشهر الأخيرة، تجلت في أحداث وقعت، أو مكاسب تم إحرازها، سيكون لها – بالتأكيد – تأثيرها في مجرى التطورات، وفي ترتيب الأولويات، وفي طبيعة تعاطي حكومات الإقليم مع الوقائع. ولعل من أبرز هذه الأحداث ما يتعلق بالسياق الموريتاني، حيث كسبت البلاد رهان التناوب السلمي على السلطة بطريقة غير مسبوقة في البلد، وفي أغلب دول المنطقة والجوار، وذلك عبر استلام رئيس منتخب السلطة من رئيس منتخب؛ ولا شك أن لهذا الحدث تأثيرات تتجاوز البلد إلى المحيط، وتعزز الصورة الإيجابية للبلد، وتمنح سلطاته ثقة أكثر، وقدرة أكبر على المضي قدما في تنفيذ رؤيتها وإستراتجياتها التي تحظى بمستوى نادر من الإجماع وطنيا وبقدر غير مسبوق من الاهتمام والاحتفاء إقليميا ودوليا.
كما أن الحراك الذي تعرفه دول المنطقة الأخرى، كمالي والنيجر وتشاد، والاستحقاقات الانتخابية المنتظرة فيها تدفع باتجاه إبراز أنموذج لتسيير الخلافات عبر الطرق السلمية ومنح الشعوب الكلمة الأولى والأخيرة في اختيار قادتها ومن يتولى تسيير شؤونها، فضلا عن البت في قراراتها المصيرية.
ولئن كانت الجزائر خارج أطر المجموعة ومؤسساتها، فإن موقعها وحجمها يجعلها مرتبطة بالمنطقة ومتفاعلة معها، وبالتالي فإن ما عرفته خلال السنة الأخيرة من أحداث أفضت إلى انتخاب رئيس جديد سيكون له بدوره تأثيره العميق على مسار الأحداث في المنطقة بشكل عام. وهو تأثير بدأت ملامحه في التعاطي مع الملف الليبي، والمرجح أن تكون له انعكاسات معتبرة على التعامل مع سائر الملفات التي تهم الإقليم، وعلى رأسها الأمن والاستقرار في منطقة الساحل عامة وشمال مالي بشكل خاص.
إن قمة نواكشوط مناسبة لمساءلة المجموعة أمام الهدف الذي أنشئت من أجله، وهو- وفقا لنص الاتفاقية التأسيسية لها – “جعل الدول الأعضاء فضاء اندماج اقتصادي ورفاه اجتماعي وغنى ثقافي يسود فيها الأمن والسلام وتقوم فيها دولة القانون والحكامة الراشدة والديمقراطية”، وذلك من أجل تعزيز المنجز، وتدارك التقصير، وتوجيه البوصلة نحو الأولويات انطلاقا من الممكن والمتاح، ومراعاة للواقع وحقيقة التحديات.
تصاعد للعنف
إن تصاعد العنف في المنطقة خلال السنة الأخيرة، وانتظامه لأغلب دول المجموعة – باستثناء بلادنا – يعني ضرورة مراجعة أساليب العمل وأفقه، وتوجه الدول لتدقيق آليات تعاطيها مع الداعمين، ووضعهم أمام مسؤولياتهم في المساهمة في أمن واستقرار المنطقة والعالم، ولن يكون ذلك إلا بمنح المجموعة قدرة أكبر على تحديد أجنداتها دون ضغوط، وجرد أولوياتها دون تدخل.
لقد رصدت مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أفريقيا بإدارة الشؤون السياسية وبناء السلام السيدة بينتو كيتا ما عرفته الأشهر الستة الأخيرة من استمرار لتدهور الوضع الأمني في الساحل وتزايد الهجمات ضد قوات الأمن والسكان المدنيين، فضلا عن حوادث العنف التي تورط فيها أفراد من مختلف المجتمعات. وكان خطاب المسؤولة الأممية أمام مجلس الأمن الدولي يوم 20 – 02 – 2020 بمثابة صرخة للفت الانتباه لحجم المخاطر، وتمدد العنف الذي انتظم مناطق عمليات القوة المشتركة لمجموعة الساحل ومناطق عمليات القوة متعددة الجنسيات في حوض بحيرة تشاد.
ويأتي “نداء” المسؤولة الأممية بعد أسبوع واحد من تقرير للأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيريش أمام مجلس الأمن أعرب فيه عن بالغ القلق من تصاعد أعمال العنف في منطقة الساحل التي امتدت إلى دول ساحلية من غرب أفريقيا ممتدة بمحاذاة خليج غينيا، داعيا مجلس الأمن الدولي للتنسيق الوثيق مع القوة المشتركة التابعة لمجموعة الدول الخمس لمنطقة الساحل.
الحصيلة الرقمية لأعمال العنف في المنطقة تقدم معطيات مخيفة، حيث ارتفعت الحصيلة من 770 قتيلا في العام 2016 إلى 4000 قتيل خلال العام المنصرم، وتركزت هذه الحصيلة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
كما لم تسلم القوات الفرنسية الموجودة في المنطقة من وقع هذه الحصيلة، حيث خسرت 13 عسكريا في حادث تصادم مروحيتين عسكريتين، وهو ما رفع حصيلة الضحايا الفرنسيين منذ التدخل في المنطقة سنة 2013 إلى 41 قتيلا وفقا للأرقام الفرنسية الرسمية.
وإذا كانت هذه هي حصيلة القتل المباشرة، فكيف يمكن تصور وقعها على السكان، تأجيجا للصراع العرقي والإثني، بل وللعنف المنفلت دون عنوان ولا هدف، وتشريدا، وفقدا للأمن والاستقرار، وانعداما لمقومات الحياة، وغيابا لأي مظهر من مظاهر الدولة.
إن هذه الآثار المتجاوزة في احتساب تأثيرات العنف، هي ما يترك أثره على الحلول المقترحة، ويجعل من اللازم استحضارها في أي تقييم موضوعي، والبحث عن حلول للمشكل من جذوره في أي استشراف مستقبل، وهو ما يتلمس جليا في كل الخطابات التي ألقاها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في القمم ذات العلاقة بالمجال، منذ خطابه في منتدى داكار إلى خطابه أمام قمة الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا.
إعادة توجيه البوصلة
إن قراءة – حتى لو سريعة – في الخطابات التي ألقاها رئيس الجمهورية محمد الشيخ الغزواني حول الأوضاع في الساحل لا بمكن إلا أن تعكس بجلاء إدراكه لحقيقة التحديات، واستحضاره للأولويات، وحرصه على استجلاء الصورة وتوضيحها للجميع.
فقد حرص في أول خطاب يلقيه خلال مشاركته في النسخة السادسة لمنتدى داكار الدولي حول السلم والأمن في إفريقيا على توضيح مرتكزات الإستراتجية الموريتانية لمكافحة الإرهاب، في دعوة للاقتداء بها في ظل النجاح المشهود الذي حققته. حيث بيّن الرئيس لضيوف هذا المنتدى أن هذه الإستراتيجية استندت على دعامتين، أولاهما قراءة تحليلية للبيئة الجيوستراتيجية بغية تحديد ماهية التهديد وأسبابه الجذرية، وتعزيز القدرات العملياتية والقانونية والدينية والاجتماعية والاقتصادية من أجل مواجهة فعالة لهذا التهديد المتعدد الأشكال، أما الثانية فهي تعزيز الترسانة القانونية والآليات المؤسسية لضمان نجاعة المعالجة القضائية للإرهاب. وقد ذكّر الرئيس بالترابط الوثيق بين الأمن والتنمية، كما أكد على ضرورة احترام مبادئ الديمقراطية والحكامة الرشيدة ودولة القانون.
كما لفت الرئيس انتباه المشاركين إلى الدور الذي يمكن أن تنهض به “قوات إقليمية متنقلة وخفيفة وعارفة بالميدان”، مذكرا بالعقبات التي تعيق عمل القوة المشتركة، وعلى رأسها عدم استدامة التمويل، ومحدودية التفويض، وهو ما طالب الأمم المتحدة بالعمل لتجاوزه من خلال منحها “تفويضا قويا وتمويلا أكثر ديمومة”، مشددا على أهمية الدعم والمساعدة التي ينبغي أن تلقاها دول الإقليم من شركائها دولا ومنظمات إقليمية ودولية.
وعلى نفس المنوال توالت خطاباته خلال القمم التي حضرها منذ ذلك التاريخ، من “سوتشي” إلى “نيويورك، ومن مدينة “بو” جنوب غرب فرنسا إلى وغادوغو وانيامي وباماكو، في تصميم واضح على طرح القضية من منظور يحرص على معالجة الجذور، وتجاوز القشور والمظاهر إلى العمق، واستحضار حقيقة التحديات، ووضع كل الملفات على الطاولة لنقاشها بصراحة وموضوعية وواقعية وحكمة.
إن استلام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لرئاسة دول مجموعة الخمس بالساحل في هذه الظرفية يشكل مصدر طمأنينة وتفاؤل لشعوب المنطقة وقادتها، فالرجل بخبراته المتراكمة، وتجربته الطويلة، واطلاعه على خيوط اللعبة في المنطقة قادر على انتزاع فتيل الملفات العالقة بهدوء ودون ضجيج، وعلى إيجاد جسور تلتقي عليها أجندات الدول الأعضاء، وتدعمها الدول الكبرى المؤثرة في المنطقة، وتوجيه كل الجهود وجهة سليمة لا تهمل البعد الأمني، ولا تستنفد كل جهودها فيه على حساب الأولويات التنموية ومتطلبات توفير شروط الحياة الكريمة للسكان، فالفقر أخو الإرهاب ومصدر رئيسي من مصادره.
إن موريتانيا بما تمتلكه من نقاط قوة، وما لديها من علاقات ثقة إقليمية ودولية، فضلا عن ما يؤهلها له موقعها الجغرافي وتماسها مع العديد من الملفات ذات التأثير في المنطقة، قادرة على توظيف هذه الأوراق لتعميم تجربتها، واستنساخ استراتجيتها في مكافحة الإرهاب مع مراعاة ظروف كل دولة، وترتيب أولوياتها، وإعادة المحور التنموي إلى مجال التداول جنبا إلى جنب مع الأجندات الأمنية، ووضع المناطق الأكثر تضررا في محور التركيز، ومنح السكان فرصا للتعبير عن مطالبهم ومظالمهم بطرق سلمية، وعبر آليات تدافع مدني، بعيدا عن فوهات البنادق وغبار الخنادق، وتحييد الحاضنات الشعبية التي عملت الحركات الإرهابية على إيجادها في بعض المناطق، وإعادة مواطني مناطق النزاع إلى حضن الدولة الذي يسع الجميع، ما احتُرمت القوانين، وأقيمت العدالة، وصينت حقوق الإنسان، وضُمن العيش الكريم للجميع.